حديث الرئيس جمع بين بناء الوعي ومحددات الأمن والسياسة الخارجية
السيسي يدعو خطباء الجمعة والمعلمين لتعزيز الوعي.. ويتحدث عن الدفاع العربي المشترك وحل الدولتين
وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي المؤسسات الدينية والتعليمية ضمن دائرة المسؤولية عن تعزيز الوعي وتماسك المجتمع، مستشهدًا بما يمكن أن يقدمه خطيب الجمعة والمعلم من رسائل متكررة حول الحفاظ على الدولة، بالتوازي مع حديثه عن الأمن العربي والقضية الفلسطينية. واللافت أن حديث الرئيس عن خطبة الجمعة يمثل دعوة إلى توظيف المنابر في بناء الوعي، وليس إعلانًا في ذاته عن تغيير فوري لموضوع الخطبة المقبلة؛ إذ تعرض المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف حتى وقت إعداد التقرير موضوع الجمعة 2 أكتوبر بعنوان «ولقد كرمنا بني آدم».
ماذا قال السيسي عن خطباء الجمعة والمعلمين؟
تحدث الرئيس خلال اجتماعه الموسع بمقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة عن أن الحفاظ على مصر مسؤولية جماعية، وأن تماسك الجبهة الداخلية لا يرتبط بالإعلام وحده، وإنما بأدوار مؤسسات وفئات مختلفة داخل المجتمع.
وضرب مثالًا بخطيب الجمعة، داعيًا إلى أن تتضمن النصائح الموجهة للمصلين التأكيد على الحفاظ على مصر واستقرارها، في إطار حديثه عن دور المؤسسات الدينية في بناء الوعي بصورة مستمرة.
وانتقل الرئيس إلى المدارس، متحدثًا عن التأثير الذي يمكن أن يتحقق إذا خصص المعلم دقيقتين أو ثلاث دقائق لتوجيه الأطفال بشأن أهمية بلدهم والحفاظ عليها، واستشهد في حديثه برقم «مليون ونصف معلم» لتوضيح اتساع التأثير المحتمل لهذه الرسائل.
ويُفهم الرقم في هذا السياق باعتباره واردًا في المثال الذي طرحه الرئيس أثناء الحديث، وليس إحصاءً مستقلاً محدثًا لعدد المعلمين منشورًا ضمن بيان إحصائي متخصص؛ لذلك تبقى دلالته الأساسية مرتبطة بفكرة اتساع نطاق التأثير عبر المدارس.
هل تغير موضوع خطبة الجمعة المقبلة؟
لا تعني تصريحات الرئيس بمفردها صدور قرار تنظيمي جديد بشأن موضوع خطبة الجمعة المقبلة. فالمنصة الرسمية لوزارة الأوقاف تعرض خطبة الجمعة الموافق 2 أكتوبر 2026 بعنوان «ولقد كرمنا بني آدم»، بينما كانت خطبة الجمعة السابقة في 25 سبتمبر بعنوان «البيئة نعمة ربانية ومسئولية إنسانية».
وتوضح هذه النقطة الفرق بين الدعوة العامة التي طرحها الرئيس لتعزيز الوعي عبر الخطاب الديني، وبين تحديد موضوع خطبة أسبوع بعينه، وهو إجراء تتولاه وزارة الأوقاف عبر منصتها الرسمية وما تصدره من مواد للخطباء.
كما تعمل الوزارة بالفعل على مسارات توعوية أوسع؛ إذ تضمنت أنشطتها خلال سبتمبر مبادرة «صحح مفاهيمك»، التي تربط الخطاب الديني ببناء الشخصية الوطنية ومواجهة صور التطرف والمفاهيم المغلوطة.
الدفاع العربي المشترك.. ما المقصود؟
في المحور الإقليمي، تحدث الرئيس السيسي عن وجود آليات مستقرة داخل جامعة الدول العربية للدفاع المشترك، مؤكدًا أن الإطار العربي يتضمن ما يدعم دفاع الدول العربية عن بعضها البعض.
والتوصيف القانوني الأدق للإطار المشار إليه هو «معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية»، التي أُبرمت عام 1950. وتضمنت إنشاء مجلس للدفاع المشترك وآليات للتشاور والتعاون واتخاذ تدابير مرتبطة بمواجهة الأخطار والاعتداءات، في إطار جامعة الدول العربية.
ويفرق ذلك بين ميثاق جامعة الدول العربية نفسه وبين معاهدة الدفاع المشترك التي جاءت لاحقًا كأحد الأطر المنظمة للعمل العربي الجماعي في هذا المجال.
كما يتسق حديث الرئيس مع تحركات دبلوماسية مصرية حديثة؛ إذ أكدت وزارة الخارجية خلال اجتماعات الجامعة العربية أهمية تطوير ترتيبات أمنية عربية والبناء على معاهدة الدفاع العربي المشترك لتعزيز القدرة الجماعية على التعامل مع التهديدات والأزمات.

موقف مصر من التهجير وحل الدولتين
ربط الرئيس حديثه عن الأمن الإقليمي بالموقف المصري من القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن مصر «ليس لديها أجندة خفية»، وأن موقفها من التهجير يرتبط بالتمسك بحل الدولتين باعتباره المسار الذي تراه مصر لتحقيق السلام والاستقرار.
وهذا الموقف ليس طرحًا جديدًا منفصلًا عن السياسة المصرية المعلنة؛ إذ جددت مصر خلال تحركاتها الدبلوماسية في سبتمبر 2026 رفض التهجير والضم والاستيطان، وربطت تحقيق السلام بتسوية سياسية تقود إلى قيام الدولة الفلسطينية وفق حل الدولتين.
وبذلك جاءت رسائل الاجتماع على مستويين متوازيين: داخلي يركز على دور الخطباء والمعلمين والمؤسسات في بناء الوعي وتماسك المجتمع، وإقليمي يتناول العمل العربي المشترك وموقف مصر من فلسطين والسلام.
الفاصل بين الدعوة والتنفيذ
أبرز ما يحتاج إلى تمييز في هذه التصريحات هو الفرق بين طرح الرئيس لأدوار يرى أن المؤسسات والمعلمين والخطباء يمكن أن يقوموا بها، وبين وجود قرارات تنفيذية تفصيلية تحدد آليات جديدة داخل المدارس أو تعدل موضوعات خطب الجمعة.
فالمتاح حتى وقت إعداد التقرير يؤكد مضمون الدعوة إلى تعزيز الوعي ودور المؤسسات المختلفة، بينما يظل تنفيذ أي ترتيبات جديدة مرتبطًا بما قد يصدر لاحقًا عن الجهات المختصة. وفي ملف خطبة الجمعة تحديدًا، ما زالت وزارة الأوقاف تعرض على منصتها الموضوع المحدد للجمعة المقبلة دون إعلان ظاهر عن استبداله بموضوع آخر مرتبط بتصريحات الاجتماع.
أما في الشق الخارجي، فحديث الدفاع العربي المشترك يستند إلى إطار تعاهدي قائم منذ عقود، بينما يمثل التمسك بحل الدولتين ورفض تهجير الفلسطينيين استمرارًا لموقف مصري معلن في التحركات الرسمية الأخيرة، وليس تحولًا جديدًا في أساس السياسة المعلنة تجاه القضية الفلسطينية.









