دراسة مشتركة تطرح معايير لحماية التمويل التنموي وقت أزمات التعثر

محمود محيي الدين يدعو لوضع ضوابط لأولوية الدائنين في هيكلة الديون

محمود محيي الدين
محمود محيي الدين

طرح محمود محيي الدين، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية، مع ثلاثة اقتصاديين، إطارًا لتحديد الجهات التي تستحق أولوية السداد عند إعادة هيكلة الديون السيادية، مع ربط هذه الأفضلية بطبيعة التمويل ودور المؤسسة المقرضة خلال الأزمات. ويضع الطرح حدًا فاصلًا بين المؤسسات التي تقدم تمويلًا تنمويًا بشروط ميسرة وتواصل الإقراض عند تعثر الدول، والجهات التي تمارس أنشطة أقرب إلى الإقراض التجاري. ولا يمثل هذا الإطار قرارًا دوليًا نافذًا، وإنما مقترحًا بحثيًا لتنظيم معاملة الدائنين وتوزيع أعباء إعادة الهيكلة.

وتحمل الدراسة عنوان «أسس ومبادئ وضع الدائن المفضل في الديون السيادية»، وأعدها محيي الدين بالاشتراك مع مارتن جوزمان، وزير الاقتصاد الأرجنتيني الأسبق، وجوزيف ستيجليتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وسارة الخشن، أستاذة الاقتصاد بالجامعة البريطانية في مصر.

وتكشف الدراسة عن نقطة محورية في إدارة أزمات الديون، وهي أن صفة المؤسسة الدولية أو متعددة الأطراف لا ينبغي أن تكون وحدها سببًا كافيًا لحصول جميع قروضها على الحماية نفسها، بل يجب النظر أيضًا إلى وظيفة التمويل وشروطه وسلوك المؤسسة عند وقوع الأزمة.

شروط أولوية الدائنين عند إعادة هيكلة الديون

يرتكز الإطار المقترح على أربعة اعتبارات رئيسية، تشمل وجود مهمة تنموية حقيقية للمؤسسة المقرضة، وتقديم التمويل بشروط ميسرة بدرجة كافية، واستمرار الإقراض خلال فترات الأزمات، ووجود حوكمة متعددة الأطراف تعكس أهدافًا عامة.

ويعني ذلك أن التقييم لا يقتصر على اسم الجهة التي منحت القرض، بل يمتد إلى طبيعة القرض نفسه. فتمويل التنمية والاستقرار الاقتصادي يختلف في الغرض والشروط عن التمويل الذي يشبه القروض التجارية المعتادة.

ويستهدف هذا التمييز الحفاظ على قدرة المؤسسات المالية العامة على التدخل عندما تتراجع شهية المقرضين التجاريين للمخاطرة، دون تحويل أولوية السداد إلى امتياز تلقائي لجميع أنشطة تلك المؤسسات.

وتؤكد الدراسة أن الحماية غير المشروطة قد تضعف الحافز إلى تقييم المخاطر بصورة سليمة، إذا افترضت الجهة المقرضة أنها ستظل بعيدة عن تحمل الخسائر مهما كانت طبيعة التمويل الذي تقدمه.

كيف تؤثر الأولوية في توزيع خسائر الديون؟

عندما تواجه دولة صعوبة في الوفاء بالتزاماتها وتدخل في مفاوضات لإعادة هيكلة الديون، تصبح معاملة كل فئة من الدائنين عاملًا مؤثرًا في توزيع الخسائر والتنازلات المطلوبة.

فاستثناء بعض القروض من تخفيض القيمة أو إعادة الجدولة قد يزيد حجم التعديلات المطلوبة من الدائنين الآخرين، بحسب هيكل الدين وشروط التسوية. وفي المقابل، قد يساعد الحفاظ على قدرة المؤسسات التنموية على استرداد مستحقاتها في استمرار التمويل خلال الأزمة.

وترتبط هذه المسألة بمبدأ «قابلية المقارنة في المعاملة»، الذي يستهدف تحقيق قدر من الاتساق بين التنازلات المقدمة من الدائنين ذوي الأوضاع المتقاربة.

وتوضح الدراسة أن تحديد الجهات المؤهلة للأولوية يمثل خطوة مهمة قبل تطبيق هذا المبدأ بصورة أكثر وضوحًا؛ لأن تحديد الديون المستثناة من إعادة الهيكلة يؤثر مباشرة في تقييم ما إذا كانت معاملة بقية الدائنين متقاربة.

تمويل الغذاء والوقود والأدوية ضمن الاستثناءات المقترحة

لا تقتصر الدراسة على قروض التنمية التقليدية، بل تفتح المجال للنظر في حماية بعض صور تمويل التجارة المرتبطة بالواردات الأساسية، ومنها الغذاء والوقود والأدوية.

وتختلف أهمية هذا النوع من التمويل عن مجرد توفير السيولة للموازنة العامة، إذ يرتبط باستمرار استيراد السلع الضرورية وتدفقها عبر الحدود، خصوصًا عندما تتراجع قدرة الشركات والبنوك على الحصول على الائتمان التجاري.

لكن إدراج هذا التمويل ضمن المعاملة التفضيلية يظل مقترحًا للنقاش، وليس إعفاءً قائمًا بالفعل من إعادة هيكلة الديون. كما أن الدراسة لا تدعو إلى حماية كل عمليات تمويل التجارة دون تمييز، بل تركز على التمويل المرتبط بالاحتياجات الأساسية.

ويتمثل جوهر الطرح في وضع معايير يمكن الاستناد إليها عند التفاوض على إعادة الهيكلة، بما يوازن بين استمرار التمويل الضروري للدول المتعثرة وعدالة توزيع الأعباء بين الدائنين، بدل الاعتماد على أفضلية غير محددة الشروط.

تم نسخ الرابط