مباحثات جديدة للغاز والاستثمار واستكمال عربات القطارات قبل مئوية العلاقات

السيسي في المجر.. دعوة للقاهرة وتوريد 44 عربة وإشادة بماكس هرتس

السيسي في المجر
السيسي في المجر

وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة إلى الرئيس المجري أندراش باكا ورئيس الوزراء بيتر ماچار لزيارة القاهرة، خلال زيارته الرسمية إلى بودابست الجمعة 30 أكتوبر 2026، بالتزامن مع اتفاق مصري مجري على استكمال توريد 44 عربة ركاب جديدة للسكك الحديدية. وشملت المباحثات بدء محادثات استكشافية للتعاون في البنية التحتية للغاز الطبيعي، وعرض فرص الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تمهيدًا للاحتفال بمئوية العلاقات الدبلوماسية عام 2028. كما استحضر السيسي تجربة المهندس المجري ماكس هرتس باشا في ترميم الآثار الإسلامية والقبطية بالقاهرة، باعتبارها نموذجًا تاريخيًا للتعاون بين البلدين.

السيسي يدعو الرئيس المجري ورئيس الوزراء لزيارة القاهرة

أكد الرئيس السيسي، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء المجري بيتر ماچار بمقر البرلمان في بودابست، أن العلاقات المصرية المجرية حافظت على استمراريتها وتطورها عبر عقود طويلة، رغم التغيرات السياسية والحكومية التي شهدها البلدان.

وأوضح أن مصر تتطلع إلى استثمار الذكرى المئوية لإقامة العلاقات الدبلوماسية عام 2028 في توسيع الشراكة الاستراتيجية، وتحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى برامج ومشروعات عملية.

وأشار إلى توجيه الدعوة للرئيس المجري ورئيس الوزراء لزيارة مصر ضمن الاستعدادات لهذه المناسبة، بما يتيح مواصلة المباحثات بشأن الملفات المشتركة ووضع أسس لمراحل جديدة من التعاون.

ولم تتضمن التصريحات المعلنة تحديد موعد نهائي للزيارتين أو برنامج رسمي لهما، وهو ما يجعل الدعوة خطوة دبلوماسية معلنة لم تُحدد ترتيبات تنفيذها بعد.

وقدم السيسي التهنئة لرئيس الوزراء المجري بمناسبة توليه رئاسة الحكومة، وللشعب المجري بمناسبة ذكرى ثورة 23 أكتوبر 1956، معربًا عن تقديره لحفاوة الاستقبال وما وصفه بالإرادة السياسية المتبادلة لتعزيز العلاقات.

اتفاق على استكمال توريد 44 عربة قطار من المجر

شهدت الزيارة تطورًا تنفيذيًا في ملف السكك الحديدية، بعدما اتفق وزير النقل المصري كامل الوزير مع نظيره المجري دايفيد فيتيسي على استكمال توريد 44 عربة ركاب جديدة يجري تصنيعها في المجر لصالح الهيئة القومية لسكك حديد مصر.

وبحسب إعلان وزارة النقل، تتوزع العربات على 34 عربة درجة ثانية مكيفة، و4 عربات درجة أولى مكيفة، و6 عربات بوفيه، على أن يجري تسليمها وفق جدول زمني محدد بين الجانبين.

وشارك في المباحثات المهندس وجدي رضوان، نائب وزير النقل للسكك الحديدية والجر الكهربائي، حيث تناول اللقاء متابعة المشروعات القائمة وتبادل الخبرات الفنية في تصنيع وصيانة عربات القطارات.

ويكتسب الاتفاق أهمية إضافية بالنظر إلى مشروع توريد 1350 عربة سكك حديدية لمصر، الذي واجه صعوبات في استكمال التوريدات خلال الفترة الماضية.

فبحسب تقارير اقتصادية مجرية منشورة مطلع أكتوبر، كان المتبقي من المشروع 284 عربة، بعدما جرى تسليم 1066 عربة، وسط مشكلات مالية وتصنيعية واجهت الشركات المشاركة في التنفيذ.

وبناءً على هذه المقارنة، يمثل الاتفاق الجديد تقدمًا في معالجة جزء من التوريدات المتأخرة، لكنه لا يعني اكتمال المشروع الأصلي أو تسوية جميع التزاماته المتبقية.

كذلك لم يتضمن البيان المصري تحديد تاريخ علني لاستلام العربات الأربع والأربعين بالكامل، أو الإعلان عن تشغيلها على خطوط بعينها، وبالتالي يظل أثرها المباشر على الركاب مرتبطًا بمواعيد التسليم ودخول العربات الخدمة فعليًا.

السيسي يعلن محادثات استكشافية للتعاون في الغاز الطبيعي

امتدت المباحثات الاقتصادية إلى قطاع الطاقة، حيث أكد السيسي اتفاق البلدين على الدخول في محادثات استكشافية للاستفادة من البنية التحتية المصرية، وخاصة شبكات نقل الغاز ومرافق استقبال وإعادة تداول الغاز الطبيعي المسال.

وأوضح الرئيس أن تطوير هذا التعاون سيتوقف على نتائج الدراسات الفنية والتجارية، بما يعني أن الجانبين لم يعلنا بعد اتفاقًا نهائيًا بشأن كميات الغاز أو مسارات نقله أو الأسعار أو الالتزامات المالية.

ويختلف هذا المسار عن اتفاق توريد عربات السكك الحديدية؛ إذ يتعلق الأول بدراسة فرص تعاون مستقبلية، بينما يرتبط الثاني باستكمال توريدات محددة ضمن مشروع قائم بالفعل.

وتناولت المباحثات أيضًا تعزيز العلاقات بين مؤسسات الأعمال في البلدين، وتشجيع الشركات المجرية على دراسة فرص الاستثمار داخل مصر، مستفيدة من الموانئ وشبكات النقل والاتفاقات التجارية التي تربط مصر بأسواق إقليمية ودولية.

وركز السيسي على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها موقعًا للمشروعات الصناعية واللوجستية والتصديرية، مع الإشارة إلى إمكانات الوصول إلى الأسواق العربية والإفريقية من خلالها.

ولم تتضمن التصريحات إعلان استثمارات مجرية جديدة بقيم مالية محددة أو مواعيد لبدء مشروعات داخل المنطقة الاقتصادية، إذ بقيت هذه الملفات ضمن فرص التعاون التي جرى طرحها خلال الزيارة.

ماكس هرتس باشا.. لماذا أشاد السيسي بمهندس مجري في القاهرة؟

خصص الرئيس السيسي جانبًا من كلمته للحديث عن المهندس المعماري المجري ماكس هرتس باشا، الذي أسهم في حفظ وترميم عدد من الآثار الإسلامية والقبطية المصرية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وولد ماكس هرتس عام 1856، وانتقل إلى مصر سنة 1880، قبل أن يتولى منصب كبير مهندسي لجنة حفظ الآثار العربية بين عامي 1890 و1914.

وتوضح الدراسة الأكاديمية التي أعدها الباحث المجري إستفان أورموش، ونشرها المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، أن هرتس تولى مسؤوليات واسعة تتعلق بحماية العمارة الإسلامية والقبطية، وأسهم في الحفاظ على مبانٍ تاريخية أثرت أعمال ترميمها في صورتها المعمارية الحالية.

كما ارتبط اسمه باستكمال إنشاء جامع الرفاعي بالقاهرة، وتولى إدارة متحف الفن العربي، الذي أصبح لاحقًا متحف الفن الإسلامي، إلى جانب إسهاماته البحثية في توثيق العمارة المملوكية.

وتكشف سيرته أن دوره لم يقتصر على الآثار الإسلامية؛ بل شمل التراث القبطي أيضًا، وهو الجانب الذي حرص السيسي على الإشارة إليه خلال كلمته.

واعتبر الرئيس أن تجربة هرتس دليل على امتداد العلاقات بين المصريين والمجريين إلى مجالات الثقافة والمعرفة وصون التراث، قبل عقود من تطور الشراكة السياسية والاقتصادية بصورتها الحالية.

لقاء السيسي بالرئيس المجري.. النيل وحياة كريمة والتعاون الأمني

سبق المؤتمر الصحفي مع رئيس الوزراء المجري لقاء رسمي جمع السيسي بالرئيس أندراش باكا في قصر شاندور بالعاصمة بودابست، أعقب مراسم الاستقبال الرسمية أمام البرلمان ووضع إكليل من الزهور على النصب التذكاري بساحة الأبطال.

وأوضح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، أن المباحثات تناولت البناء على إعلان الشراكة الاستراتيجية الموقع بين البلدين عام 2023، مع بحث فرص تنفيذ برامج مشتركة في السكك الحديدية والبنية التحتية.

وطرح السيسي إمكانات التعاون في المشروعات المرتبطة بمبادرة حياة كريمة، إلى جانب تعزيز التبادل التجاري والسياحة وانتظام اجتماعات اللجنة العليا المشتركة بين مصر والمجر.

ومن جانبه، أكد الرئيس المجري تقدير بلاده للشراكة مع مصر، وأعرب عن تفهمه لأهمية نهر النيل بالنسبة للدولة المصرية، مع التأكيد على أهمية توسيع التعاون الثقافي.

ويمثل التصريح المجري بشأن النيل موقفًا دبلوماسيًا معلنًا، لكنه لا يتضمن اتفاقًا جديدًا يتعلق بإدارة مياه النهر أو التوصل إلى ترتيبات لحل الخلافات المائية.

كما تناول اللقاء التعاون في مكافحة الهجرة غير الشرعية، ودعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز التنسيق الأمني في الملفات ذات الاهتمام المشترك.

مباحثات السيسي بشأن غزة والسودان وأوكرانيا

تطرقت زيارة السيسي إلى عدد من الأزمات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث أكد الرئيس أن تحقيق السلام المستدام في الشرق الأوسط يرتبط بالتوصل إلى تسوية عادلة تقوم على حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وجدد رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية، أو اتخاذ إجراءات تؤدي إلى تغيير الواقع السكاني والجغرافي، مع التشديد على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

وشملت المحادثات تطورات السودان والقرن الإفريقي والصومال، حيث أكد السيسي أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والالتزام بالقانون الدولي باعتباره أساسًا لتسوية النزاعات والحفاظ على الاستقرار.

وفيما يتعلق بالحرب الأوكرانية، شدد على موقف مصر الداعي إلى خفض التصعيد وتغليب الحلول السياسية، مع استمرار دعم الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سلمية.

وناقش الجانبان كذلك فرص تعزيز التعاون بين مصر ودول وسط أوروبا، بما في ذلك مجموعة فيشجراد التي تضم المجر وبولندا والتشيك وسلوفاكيا، دون إعلان انضمام مصر إلى المجموعة أو توقيع إطار جديد ملزم للتعاون معها.

مئوية العلاقات المصرية المجرية.. ما الذي تحقق وما الخطوة المقبلة؟

تستعد مصر والمجر للاحتفال بمرور مائة عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 2028، بعد أن شهدت العلاقات تطورًا مؤسسيًا مهمًا برفعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام 2023.

وتشمل مجالات التعاون القائمة النقل والتعليم والتجارة والسياحة، بينما أضافت المباحثات الحالية ملفات جديدة للدراسة، أبرزها الاستخدام المحتمل للبنية التحتية المصرية للغاز وتشجيع الاستثمارات المجرية في المناطق الصناعية والاقتصادية.

وتظهر نتائج الزيارة تفاوتًا بين مراحل الملفات المطروحة؛ إذ جرى الاتفاق على استكمال توريد عدد محدد من عربات القطارات، بينما ما زال التعاون في الغاز والاستثمار ضمن المباحثات والدراسات، ولم تُعلن مواعيد للزيارات الرسمية المرتقبة إلى القاهرة.

وبالنسبة لمصر، يبقى التطور الأكثر قابلية للمتابعة المباشرة هو استلام العربات الجديدة وتشغيلها، باعتباره ملفًا مرتبطًا بخدمة النقل المقدمة للمواطنين، إلى جانب مراقبة ما إذا كانت المحادثات الاستكشافية في الطاقة ستتحول إلى تعاقدات ومشروعات فعلية.

وتعكس هذه الملفات طبيعة المرحلة التي تستعد لها القاهرة وبودابست قبل مئوية العلاقات؛ فبينما استحضر السيسي تجربة ماكس هرتس باشا بوصفها شاهدًا على التعاون التاريخي في حماية التراث الإسلامي والقبطي، ترتبط النتائج العملية للزيارة بما سينفذه الطرفان من اتفاقات ومشروعات خلال المرحلة المقبلة.

تم نسخ الرابط