بيان كنسي جديد يقدر دور العاهل الأردني في حماية الحضور المسيحي

بعد شهداء الكرك.. إشادة كنسية عربية بالملك عبد الله ومواقف الملكة رانيا

إشادة كنسية عربية
إشادة كنسية عربية بالملك عبد الله ومواقف رانيا

حظيت مواقف الملك عبد الله الثاني والملكة رانيا العبد الله تجاه شهداء كنيسة الكرك بتقدير كنسي جديد، بعدما وجّه المشاركون في مؤتمر «مسيحيو الشرق: مشاركون في بناء المستقبل»، الذي اختتم أعماله بالعاصمة الأردنية عمّان الجمعة 30 أكتوبر 2026، رسالة شكر للعاهل الأردني على جهوده في حماية الحضور المسيحي وتعزيز الوئام بين الأديان. وجاء البيان بعد أسبوع من الاعتداء على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، الذي أسفر عن استشهاد تسعة أردنيين، وأعقبته زيارات ملكية لأسر الشهداء وتحركات أمنية وعسكرية. وتعيد هذه المواقف تسليط الضوء على مسيرة الملك والملكة وعلاقتهما بالكنائس والمقدسات المسيحية في الأردن والقدس.

إشادة كنسية عربية بالملك عبد الله بعد شهداء الكرك

وجّه المشاركون في مؤتمر «مسيحيو الشرق: مشاركون في بناء المستقبل» الشكر والتقدير إلى الملك عبد الله الثاني، مشيدين بجهوده في ترسيخ الوحدة الوطنية والدفاع عن الحضور المسيحي في الشرق الأوسط وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس.

وجاءت الإشادة ضمن البيان الختامي للمؤتمر، الذي انعقد يومي 29 و30 أكتوبر، بتنظيم من المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور الألمانية، وبمشاركة شخصيات كنسية وأكاديمية وفكرية من الأردن وعدد من الدول العربية وألمانيا.

الملكة رانيا
الملكة رانيا

وشملت المناقشات أوضاع المسيحيين في مصر ولبنان وسوريا والعراق وفلسطين والأردن، مع التركيز على المواطنة المتساوية والشراكة بين المسلمين والمسيحيين ودور الكنائس في بناء مستقبل المنطقة.

وأدان المشاركون الاعتداء الإرهابي على كنيسة حمود بالكرك، وقدموا التعازي إلى الملك وأسر الشهداء، معربين عن تقديرهم لتضامن الأردنيين من مختلف المكونات الدينية وجهود الأجهزة الأمنية.

وتمنح هذه الوثيقة الإشادة بالملك بعدًا إقليميًا موثقًا، باعتبارها صادرة عن مؤتمر شاركت فيه شخصيات من عدة دول، دون أن تمثل استطلاعًا لمشاعر جميع مسيحيي العالم العربي.

من مأساة كنيسة الكرك إلى مواساة الأسر

استهدف الهجوم المسلح، في 23 أكتوبر، مشاركين في مراسم جنازة بكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس بقرية حمود في محافظة الكرك، ما أدى إلى استشهاد تسعة أشخاص وإصابة العشرات.

وعقب الاعتداء، ترأس الملك عبد الله الثاني اجتماعًا لمجلس الأمن القومي، مؤكدًا أن سلامة الأردنيين خط أحمر، وأن المسؤولين عن الجريمة ستطالهم العدالة، مع التشديد على رفض محاولات إثارة الفرقة بين أبناء المجتمع الأردني.

كما زار الملك المصابين للاطمئنان على حالتهم الصحية، قبل أن يتوجه إلى بلدة حمود يوم 26 أكتوبر لتقديم واجب العزاء لأسر الشهداء، بينما شارك ولي العهد الأمير الحسين في مراسم التشييع.

وكانت الملكة رانيا قد سبقت ذلك بزيارة إلى جمعية حمود الخيرية يوم 25 أكتوبر، برفقة الأميرة رجوة الحسين والأميرة سلمى بنت عبد الله الثاني، حيث قدمت التعازي لعائلات الشهداء ودعت للمصابين بالشفاء.

وجاءت الزيارة امتدادًا لرسالة التضامن التي وجهتها الملكة عقب الاعتداء، واعتبرت فيها أن مصاب أهالي حمود هو مصاب جميع الأردنيين.

الرد الأمني والعسكري على هجوم الكرك

شهد يوم 26 أكتوبر تطورين منفصلين في التعامل مع الجريمة؛ أولهما إعلان مديرية الأمن العام الأردنية القبض على ثلاثة متهمين بتنفيذ الاعتداء، بعد اشتباك مسلح انتهى بإصابتهم والسيطرة عليهم داخل منزل مهجور.

وأكد وزير الداخلية مازن الفراية أن القبض عليهم لا يعني انتهاء القضية، وأن التحقيقات وجمع الأدلة ستستمر لتحديد المسؤوليات القانونية.

وفي مساء اليوم نفسه، أعلنت القوات المسلحة الأردنية تنفيذ عملية جوية حملت اسم «الردع الأردني – حمود»، استهدفت مواقع قالت إنها تابعة لتنظيمات إرهابية مرتبطة بمنفذي هجوم الكنيسة في جنوب سوريا.

وقال الجيش الأردني إن العملية أسفرت عن مقتل وإصابة عناصر من التنظيمات المستهدفة وتدمير مواقع وآليات تابعة لها، وقدمها باعتبارها ردًا عسكريًا على الاعتداء.

لكن العملية أثارت خلافًا رسميًا مع دمشق؛ إذ أعلنت السلطات السورية سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، ونفت حصول تنسيق مسبق بشأن الضربات. كما تحدثت عن تشكيل لجنة مشتركة للتحقيق في ملابساتها.

وبذلك يظل القبض على المتهمين داخل الأردن، والعملية العسكرية خارج حدوده، مسارين مختلفين، ولا يمثل أي منهما صدور أحكام قضائية نهائية بحق المسؤولين عن الاعتداء.

سيرة الملك عبد الله الثاني.. من القوات الخاصة إلى عرش الأردن

ولد الملك عبد الله الثاني بن الحسين في العاصمة الأردنية عمّان يوم 30 يناير 1962، وهو الابن الأكبر للملك الراحل الحسين بن طلال والأميرة منى الحسين.

وتلقى تعليمه في الأردن والولايات المتحدة وبريطانيا، ودرس في أكاديمية ديرفيلد الأمريكية وجامعة أكسفورد، كما التحق بكلية الخدمة الخارجية في جامعة جورج تاون بواشنطن.

وبدأت مسيرته العسكرية بعد دراسته في أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية، وتدرج في صفوف الجيش الأردني حتى بلغ رتبة لواء، وتولى قيادة القوات الخاصة الملكية.

وفي 7 فبراير 1999، تولى سلطاته الدستورية ملكًا للمملكة الأردنية الهاشمية، خلفًا لوالده الملك الحسين بن طلال.

وتزوج رانيا الياسين في 10 يونيو 1993، ولهما أربعة أبناء، هم ولي العهد الأمير الحسين، والأميرة إيمان، والأميرة سلمى، والأمير هاشم.

وخلال سنوات حكمه، ارتبط اسم الملك بعدد من المبادرات المتعلقة بالحوار بين الأديان، منها رسالة عمّان، ومبادرة «كلمة سواء»، إلى جانب المبادرة الأردنية التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2010 لتخصيص الأسبوع الأول من فبراير للوئام العالمي بين الأديان.

الملك عبد الله وكنيسة القيامة.. مواقف سبقت مأساة الكرك

من أبرز المواقف العملية الموثقة للملك عبد الله الثاني تجاه المقدسات المسيحية مبادرته في أبريل 2016 إلى تمويل ترميم القبر المقدس، المعروف بقبر السيد المسيح، داخل كنيسة القيامة بمدينة القدس، على نفقته الخاصة.

وأبلغ الديوان الملكي الهاشمي البطريركية الأورشليمية بالمبادرة، فيما أشاد البطريرك ثيوفيلوس الثالث بالخطوة، معتبرًا إياها امتدادًا لدور الملك في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية.

ولم تتوقف المساهمات عند تلك المبادرة؛ إذ خصص الملك جزءًا من القيمة المالية لجائزة تمبلتون التي حصل عليها عام 2018 لدعم أعمال ترميم أخرى في كنيسة القيامة.

ووفق سجل الإعمار الهاشمي، شملت الأعمال ترميم القبر المقدس خلال عامي 2016 و2017، ثم مراحل أخرى من أعمال ترميم أرضيات الكنيسة استمرت حتى عام 2023.

وتندرج هذه الأعمال ضمن الدور التاريخي الذي يؤكد الأردن اضطلاعه به في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس، والذي جرى تأكيده في الاتفاق الموقع بين الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2013.

وفي تصريحات ولقاءات متكررة مع قيادات مسيحية، شدد الملك على ضرورة الحفاظ على الوجود المسيحي الأصيل في الشرق الأوسط، باعتباره جزءًا من تاريخ المنطقة ومجتمعاتها.

من هي الملكة رانيا العبد الله؟

ولدت الملكة رانيا الياسين في 31 أغسطس 1970 بالكويت لأسرة فلسطينية الأصل، وأكملت دراستها الجامعية في مصر، حيث حصلت على بكالوريوس إدارة الأعمال من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1991.

وعملت بعد تخرجها في القطاع المصرفي بالأردن، ثم في مجال تكنولوجيا المعلومات، قبل زواجها من الأمير عبد الله بن الحسين عام 1993.

وأصبحت ملكة للأردن بعد تولي زوجها العرش عام 1999، وارتبط نشاطها العام بعدد من المبادرات التعليمية والاجتماعية، خاصة تطوير التعليم وتمكين المرأة وحماية الأطفال ودعم المجتمعات المحلية.

ومن المؤسسات المرتبطة بمبادراتها مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية، وأكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، ومبادرة إدراك للتعليم الإلكتروني.

وتضيف دراستها بالجامعة الأمريكية بالقاهرة جانبًا مصريًا موثقًا إلى سيرتها، في وقت يمتد فيه نشاطها العام إلى مجالات التعليم والتواصل الثقافي والحوار بين المجتمعات.

الملكة رانيا واحتفالات المسيحيين.. علاقة ممتدة عبر السنوات

لم تكن زيارة الملكة رانيا لأسر شهداء الكرك أول مناسبة تجمعها بالمجتمع المسيحي الأردني؛ إذ توثق سجلات موقعها الرسمي مشاركات متعددة في الاحتفالات الدينية والمناسبات الاجتماعية.

ففي ديسمبر 2008، شاركت أهالي مدينة الفحيص في إضاءة شجرة عيد الميلاد، بحضور رجال دين مسيحيين ومسلمين ومواطنين من مختلف الطوائف.

وتكررت مشاركتها في احتفالات المدينة خلال عامي 2018 و2022، حيث تبادلت التهاني مع الأهالي والتقت ممثلين عن الكنائس والجمعيات المحلية.

وفي ديسمبر 2023، وجهت تهنئة للمسيحيين بمناسبة عيد الميلاد، ودعت إلى إحلال السلام في الأراضي المقدسة وانتشار الرحمة في العالم.

كما رافقت الملك عبد الله الثاني خلال لقائه البابا لاون الرابع عشر في الفاتيكان عام 2025، حيث تناول اللقاء حماية المواقع الدينية المسيحية وتعزيز الحوار والتعاون بين الأردن والكرسي الرسولي.

وتضع هذه المحطات زيارة التعزية الأخيرة في سياق علاقة مستمرة مع المناسبات المسيحية، بدل النظر إليها باعتبارها موقفًا منفصلًا فرضته الأحداث.

مواقف كنسية من مصر والمشرق بعد استشهاد أبناء الكرك

لم تقتصر رسائل التضامن عقب الاعتداء على المؤسسات الكنسية داخل الأردن؛ إذ وجه البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، رسالة تعزية إلى الملك عبد الله الثاني باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مع الصلاة من أجل الشهداء والمصابين وأمن المملكة.

كما بعث البطريرك يوحنا العاشر، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، رسالة إلى العاهل الأردني أدان فيها الجريمة، وأشاد بموقفه في مواساة المتضررين وتفقد المصابين.

وأعربت البطريركية اللاتينية في القدس عن اعتزازها بدور الأسرة الهاشمية في تعزيز الاعتدال وحماية حرية ممارسة الشعائر الدينية، مؤكدة أن الهجوم استهدف الوحدة الوطنية الأردنية بأكملها.

وتكتسب هذه المواقف أهمية إضافية عند ربطها بالبيان الختامي لمؤتمر مسيحيي الشرق الصادر في 30 أكتوبر؛ إذ انتقلت الإشادة من رسائل تعزية مرتبطة بالحادث إلى تأكيد أوسع على دور الملك في حماية الحضور المسيحي والمقدسات الدينية.

وفي الوقت الذي شدد فيه المؤتمر على حماية دور العبادة ومواجهة التطرف، أكد أيضًا أن مستقبل المسيحيين في المنطقة لا يقوم على الحماية الأمنية وحدها، وإنما على المواطنة المتساوية والشراكة في الحياة العامة.

وتجتمع هذه المواقف في تقدير كنسي موثق لدور الملك عبد الله الثاني، إلى جانب الحضور الإنساني للملكة رانيا بين أسر الشهداء ومشاركاتها السابقة مع المسيحيين الأردنيين، دون أن يعني ذلك إمكان تعميم موقف واحد على جميع مسيحيي المنطقة.

تم نسخ الرابط