القانون يفرّق بين متابعة الخدمات والسلطة الإدارية على العاملين
واقعة الشهر العقاري بأسوان تفتح ملف صلاحيات المحافظ.. هل يحق له تفتيش الدفاتر وإصدار أوامر للموظفين؟
أثارت واقعة أسوان سؤالًا قانونيًا يتجاوز تفاصيل الخلاف نفسه: ما حدود صلاحيات المحافظ على الشهر العقاري إذا كان المكتب موجودًا داخل نطاق المحافظة لكنه تابع لوزارة العدل؟ النصوص المنظمة تضع فارقًا بين متابعة المحافظ للخدمات العامة داخل الإقليم وبين امتلاكه سلطة رئاسية مباشرة على العاملين في كل جهة حكومية. فقانون تنظيم مصلحة الشهر العقاري والتوثيق رقم 5 لسنة 1964 ينص على أن المصلحة قائمة بذاتها وتتبع وزارة العدل، بينما يمنح قانون الإدارة المحلية المحافظ اختصاصات واسعة مع وضع حدود لطبيعة إشرافه على الجهات التي لم تنتقل اختصاصاتها إلى الوحدات المحلية.
الشهر العقاري يتبع وزارة العدل بنص القانون
النقطة الأساسية في تحديد صلاحيات المحافظ على الشهر العقاري تبدأ من المادة الأولى من القانون رقم 5 لسنة 1964، التي تنص على أن مصلحة الشهر العقاري والتوثيق مصلحة قائمة بذاتها وتتبع وزارة العدل.
ويعني ذلك أن الهيكل الإداري للمصلحة وإدارة العاملين بها وآليات التفتيش والمتابعة الفنية لا تتحول تلقائيًا إلى المحافظة لمجرد وجود المكتب داخل حدودها الجغرافية. كما جعل القانون وزير العدل الجهة المختصة بإصدار اللائحة التنفيذية المنظمة للمصلحة.
ماذا يمنح قانون الإدارة المحلية للمحافظ؟
قانون نظام الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979 يجعل المحافظ ممثلًا للسلطة التنفيذية في المحافظة ويمنحه الإشراف على تنفيذ السياسة العامة للدولة وعلى مرافق الخدمات والإنتاج داخل نطاق المحافظة.
لكن المادة 27 تميز بين المرافق الداخلة في اختصاص وحدات الإدارة المحلية وبين المرافق القومية وفروع الوزارات التي لم تنقل اختصاصاتها إلى المحليات. ففي الحالة الأولى تكون للمحافظ السلطات التنفيذية المقررة للوزراء، أما بالنسبة للفروع والمرافق القومية غير المنقولة فيكون دوره إشرافيًا من خلال الملاحظات واقتراح الحلول المتعلقة بحسن الأداء، مع وجود استثناءات منصوص عليها للهيئات القضائية والجهات المعاونة لها.
هل يحق للمحافظ فتح دفتر الحضور والتفتيش على الموظفين؟
التمييز هنا يتعلق بطبيعة الإجراء نفسه. متابعة مستوى الخدمة والاستماع لشكاوى الجمهور والوقوف على وجود زحام أو تعطل في المعاملات تختلف قانونيًا عن مباشرة التفتيش الإداري أو الفني على موظفي جهة لا يتبعون المحافظة وظيفيًا.
وفي البيان المنشور عقب واقعة أسوان، أكدت وزارة العدل أن وجود مقر الشهر العقاري داخل النطاق الجغرافي للمحافظة لا ينشئ في حد ذاته سلطة رئاسية للمحافظ على أعمال المصلحة، وشددت على ضرورة الفصل بين التفقد الميداني للخدمات وبين ممارسة سلطة إدارية أو تفتيش فني على العاملين.
ويدعم هذا الاتجاه ما قاله سامي إمام، رئيس قطاع مصلحة الشهر العقاري السابق، إذ أوضح أن دفاتر العاملين تدخل ضمن أعمال المصلحة ومتابعتها الإدارية، وأن المحافظ ليس الرئيس الوظيفي المباشر لموظفي الشهر العقاري حتى مع وجود الفرع داخل محافظته.
هل يستطيع المحافظ إصدار أمر لموظف الشهر العقاري؟
إصدار أمر وظيفي يتعلق بنقل موظف أو مساءلته أو ممارسة سلطة إدارية مباشرة عليه يختلف عن توجيه ملاحظة بشأن مستوى الخدمة أو طلب معالجة شكوى مواطن.
وضرب رئيس قطاع الشهر العقاري السابق مثالًا بواقعة طلب فيها أحد المحافظين نقل موظف، موضحًا أنه رفض الطلب باعتبار أن سلطة النقل ليست للمحافظ، وأن المسار المتاح عند وجود شكوى هو إحالتها إلى المصلحة المختصة لفحصها واتخاذ القرار وفق التسلسل الإداري.
أما متابعة مشكلات المواطنين، فيستطيع المحافظ القيام بها في إطار دوره التنفيذي والتنسيقي، وهو ما ظهر في زيارة بركة الدماس نفسها عندما استمع إلى المترددين ووجه بتعزيز التنسيق مع وزارة العدل لتذليل المعوقات التي تواجه تقديم الخدمة.
رفض الوقوف أمام المحافظ.. اختصاص أم سلوك؟
مسألة وقوف الموظف أمام المحافظ منفصلة عن سلطة التفتيش وإصدار الأوامر. ووفق رأي سامي إمام، فإن عدم الوقوف يمكن تقييمه من الناحية الأدبية وقواعد الاحترام، لكنه لا يحول المحافظ إلى رئيس وظيفي مباشر للموظف ولا يغير التبعية الإدارية للمصلحة.
وبالتالي فإن الخلط بين احترام المنصب وبين السلطة الوظيفية يؤدي إلى دمج مسألتين مختلفتين: الأولى سلوكية تتعلق بطريقة التعامل، والثانية قانونية ترتبط بمن يملك إصدار الأوامر ومباشرة التفتيش والمساءلة.
أين تنتهي صلاحيات المحافظ على الشهر العقاري؟
الخلاصة التي ترسمها النصوص القانونية والموقف المنشور لوزارة العدل هي أن المحافظ يستطيع متابعة مستوى الخدمات الواقعة داخل نطاق المحافظة، والاستماع إلى المواطنين، ورصد أوجه القصور، وإبداء الملاحظات والتنسيق مع الوزارة المختصة، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا امتلاكه سلطات الرئيس الإداري لموظفي مصلحة الشهر العقاري أو اختصاص التفتيش الفني على أعمالهم.
ومن هنا جاءت أهمية واقعة أسوان؛ فالسؤال لم يعد متعلقًا بمن وقف ومن رفض فقط، بل بالحد القانوني الفاصل بين الرقابة العامة على جودة الخدمات وبين الاختصاص الإداري المباشر لكل جهة حكومية.









