9.5 مليون ملف معاش ومنظومة تخدم ملايين المؤمن عليهم والمستفيدين

جمال عوض: إعادة هيكلة التأمينات بعد عقود من أنظمة لم تُحدّث منذ 1984

التأمينات الاجتماعية
التأمينات الاجتماعية تعيد هيكلة منظومتها

وضعت تصريحات اللواء جمال عوض، رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، حجم إعادة هيكلة التأمينات في سياق يتجاوز مجرد استبدال نظام إلكتروني بآخر، بعدما أوضح أن الأنظمة القديمة لم تشهد تحديثًا منذ عام 1984، في وقت أصبحت فيه الهيئة تدير نحو 9.5 مليون ملف معاش يُصرف عنها لنحو 11.5 مليون مواطن، إلى جانب 13.8 مليون مؤمن عليه. وتبرز أهمية التطوير بصورة أكبر مع مزايا استحدثها قانون التأمينات الجديد، مثل المعاش الإضافي والحسابات الشخصية المرتبطة به، وهي وظائف قال عوض إن النظام القديم لم يكن مهيأ للتعامل معها.

ماذا تغير في منظومة التأمينات الاجتماعية؟

بحسب رئيس الهيئة، كانت منظومة التأمينات تعتمد على نظامين مرتبطين بالصناديق التي تخدم العاملين في القطاع الحكومي من جهة، والعاملين في القطاعين العام والخاص من جهة أخرى، وهو ما فرض إعادة بناء البنية المعلوماتية بالتوازي مع تطبيق قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019.

ولا يقتصر التغيير على الشكل التقني للخدمة؛ إذ ترتبط إعادة الهيكلة بتوحيد البيانات والقدرة على إجراء حسابات تأمينية أكثر تعقيدًا، فضلًا عن التعامل مع زيادة أعداد الملفات والمستفيدين والمؤمن عليهم.

وكانت الهيئة قد بدأت خلال 2026 التشغيل الشامل للمنظومة الرقمية الجديدة بعد مراحل من التشغيل التجريبي ونقل البيانات من الأنظمة السابقة إلى قاعدة بيانات موحدة، في إطار مشروع يستهدف توحيد دورة العمل وتقليل الاعتماد على الملفات والأنظمة المنفصلة.

ويعني ذلك أن إعادة الهيكلة لا تمثل زيادة جديدة في المعاشات بحد ذاتها، وإنما تغييرًا في طريقة إدارة الحقوق والاشتراكات والبيانات والخدمات التي تعتمد عليها قيمة المستحقات وإجراءات صرفها.

9.5 مليون ملف و11.5 مليون مستفيد.. لماذا يختلف الرقمان؟

أحد الأرقام اللافتة في تصريحات جمال عوض يتعلق بوجود نحو 9.5 مليون ملف معاش لدى الهيئة، في مقابل نحو 11.5 مليون مواطن يحصلون على معاشات.

ولا يوجد تعارض بين الرقمين، لأن ملف صاحب المعاش قد يرتبط بأكثر من مستحق بعد وفاته وفق قواعد الاستحقاق التي ينظمها قانون التأمينات، مثل الزوجة أو الأبناء وغيرهم ممن تتوافر فيهم الشروط القانونية.

وبالتالي لا يصح التعامل مع عدد ملفات المعاشات باعتباره مساويًا بالضرورة لعدد الأشخاص الذين تصل إليهم المدفوعات شهريًا، إذ يمثل كل رقم جانبًا مختلفًا من حجم المنظومة.

ويضاف إلى ذلك 13.8 مليون مؤمن عليه من العاملين الذين تُسدد عنهم اشتراكات تأمينية خلال فترة العمل، وهي الفئة التي تنتقل لاحقًا إلى مرحلة استحقاق المعاش عند استيفاء الشروط القانونية.

لماذا أصبح المعاش الإضافي اختبارًا للنظام الجديد؟

حدد أجر الاشتراك التأميني خلال 2026 بحد أدنى قدره 2700 جنيه وحد أقصى قدره 16700 جنيه، وهي الحدود الرسمية السارية خلال العام.

لكن وجود عاملين تتجاوز أجورهم الحد الأقصى للاشتراك خلق حاجة إلى آلية مختلفة، وهو ما عالجه قانون التأمينات الاجتماعية باستحداث نظام المعاش الإضافي.

ويتيح القانون للمؤمن عليه الذي يزيد أجره على الحد الأقصى لأجر الاشتراك التأميني طلب الاشتراك في نظام المعاش الإضافي عن الجزء الزائد، في الحدود التي حددها التشريع، مقابل إنشاء حساب شخصي خاص بهذا النظام.

وهنا تظهر الصلة المباشرة بين التشريع وإعادة الهيكلة التقنية؛ فالحساب الشخصي للمعاش الإضافي يحتاج إلى تسجيل الاشتراكات والأرصدة وحساب الاستحقاق بصورة فردية، وهي آلية تختلف عن تشغيل منظومة قديمة لم تُصمم أساسًا لهذه الميزة.

ولا يعني تجاوز راتب العامل الحد الأقصى للتأمين تلقائيًا احتساب راتبه بالكامل داخل الاشتراك الأساسي، كما أن المعاش الإضافي ليس زيادة عامة تُضاف لجميع المؤمن عليهم، بل نظام له شروطه وطريقة اشتراكه وحسابه وفق القانون.

من 8 ملايين إلى 9.5 مليون ملف معاش

أوضح جمال عوض أن الهيئة كانت تتعامل خلال عام 2020 مع نحو 8 ملايين ملف معاش، بينما ارتفع العدد إلى نحو 9.5 مليون ملف حاليًا.

ويمثل ذلك زيادة بنحو 1.5 مليون ملف خلال هذه الفترة، بالتزامن مع استمرار التعامل مع ملايين المؤمن عليهم والمستحقين، وهو ما يزيد حجم العمليات التي يجب على النظام التأميني استيعابها.

وتكتسب هذه الزيادة أهمية في تفسير دوافع إعادة الهيكلة؛ إذ لم يعد المطلوب من النظام مجرد الاحتفاظ بملفات قائمة، وإنما معالجة حركة اشتراكات واستحقاقات وتعديلات وحسابات شخصية لقاعدة كبيرة من المتعاملين.

550 مليار جنيه مصروفات و689.8 مليار إيرادات

قال رئيس الهيئة إن المصروفات السنوية لأصحاب المعاشات خلال العام المالي 2025-2026 بلغت نحو 550 مليار جنيه، بينما وصلت إيرادات الهيئة إلى 689.8 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026.

ولا يكفي طرح الرقم الأول من الثاني لاستخراج ما يمكن وصفه بفائض مالي للهيئة؛ إذ يتطلب تحديد الفائض أو العجز المحاسبي الاطلاع على القوائم المالية الكاملة وبنود الإيرادات والمصروفات والالتزامات والاستثمارات وطريقة تصنيفها.

لذلك تظل الأرقام التي أعلنها رئيس الهيئة مؤشرًا على الحجم المالي الكبير الذي تديره منظومة التأمينات، وليست وحدها أساسًا كافيًا للحكم على المركز المالي أو استخراج فائض محاسبي من الفرق بين الرقمين.

وتخضع أعمال الهيئة، بحسب تصريحات جمال عوض، لرقابة وزارة المالية والجهاز المركزي للمحاسبات، بالتوازي مع إدارة الصناديق والالتزامات المستحقة لأصحاب المعاشات والمؤمن عليهم.

ما الذي تعنيه إعادة الهيكلة للمؤمن عليهم وأصحاب المعاشات؟

التحول الرئيسي يتمثل في الانتقال من أنظمة منفصلة وقديمة إلى بنية تسمح بإدارة البيانات التأمينية بصورة موحدة وتنفيذ المزايا التي أقرها القانون وفق حسابات أكثر تفصيلًا.

ويظهر الأثر بصورة خاصة في الخدمات التي تعتمد على البيانات الفردية للمؤمن عليه ومدد اشتراكه وأجوره، وفي نظام المعاش الإضافي الذي يحتاج إلى حساب شخصي مستقل.

أما قيمة المعاش أو أي زيادة سنوية فلا تتحدد لمجرد تحديث النظام الإلكتروني؛ إذ تظل خاضعة للقواعد القانونية والاشتراكات ومدد التأمين وقرارات الزيادة السارية.

وبذلك فإن حديث رئيس الهيئة عن عدم تحديث الأنظمة منذ 1984 يفسر خلفية التحول الذي نفذته التأمينات خلال 2026، بينما تكشف أعداد الملفات والمستفيدين والمؤمن عليهم وحجم الأموال التي تديرها الهيئة سبب تحول تحديث البنية التقنية من إجراء إداري إلى جزء أساسي من تشغيل منظومة تخدم ملايين المواطنين.

تم نسخ الرابط