رسالة للشركات العالمية لتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا داخل القارة

رسائل الرئيس من العلمين.. السيسي يحدد مسارًا جديدًا لإفريقيا من تصدير الخام إلى التصنيع

السيسي يدعو لتوطين
السيسي يدعو لتوطين الصناعة والتكنولوجيا وتسريع التجارة الحرة

وضع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأحد 4 أكتوبر 2026، تحول إفريقيا من سوق للمنتجات إلى قاعدة للتصنيع والتكنولوجيا في صدارة رسالته للشركات الدولية ورجال الأعمال، خلال مأدبة غداء أقامها تكريمًا لرؤساء الدول والوفود الإفريقية المشاركة في الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الإفريقي. ودعا الرئيس الشركات العالمية إلى نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة والمشاركة في مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة، بالتوازي مع انتقال الدول الإفريقية من تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة مضافة داخل القارة، وتسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية.

رسالة السيسي للشركات الدولية

شارك في مأدبة الغداء، إلى جانب القادة والوفود الإفريقية، عدد من قادة مؤسسات التمويل وممثلي قطاع الأعمال الذين شاركوا في منتدى «العلمين – إفريقيا للأعمال».

وركز الرئيس في كلمته على الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات الدولية في المرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أن إفريقيا لم تعد مجرد سوق استهلاكية للمنتجات القادمة من الخارج، وإنما تمتلك المقومات التي تجعلها شريكًا صناعيًا وتكنولوجيًا.

ويستند هذا التصور إلى حجم الموارد البشرية المتاحة داخل القارة، خاصة مع ارتفاع نسبة الشباب بين سكانها، إلى جانب ما تمتلكه الدول الإفريقية من موارد طبيعية وفرص استثمارية واسعة.

وتتمثل الرسالة العملية للشركات في الانتقال من مجرد بيع المنتجات داخل الأسواق الإفريقية إلى إنشاء قدرات إنتاجية ونقل التكنولوجيا وتوسيع الاستثمار طويل الأجل داخل القارة.

توطين الصناعة بدل تصدير المواد الخام

أحد أبرز محاور الكلمة تناول نموذج الاقتصاد القائم على تصدير المواد الخام ثم استيراد المنتجات بعد تصنيعها خارج القارة.

ودعا الرئيس إلى الانتقال السريع نحو بناء سلاسل قيمة مضافة داخل إفريقيا، بما يسمح للدول بالاستفادة بصورة أكبر من مواردها بدل اقتصار العائد على تصدير المادة الخام.

ويعني بناء سلاسل القيمة أن تمر مراحل أكبر من الإنتاج والتصنيع والتجهيز داخل الدول الإفريقية، بما يرفع القيمة الاقتصادية للموارد قبل وصولها إلى المستهلك النهائي.

ويرتبط ذلك كذلك بزيادة فرص العمل ونقل المعرفة والخبرات الفنية وتوسيع قاعدة الصناعات المحلية، بدل اعتماد الأسواق بصورة رئيسية على السلع المصنعة في الخارج.

البنية التحتية والطاقة ضمن فرص الاستثمار

لم تقتصر دعوة الرئيس للشركات على المشروعات الصناعية، إذ شملت المساهمة في تنفيذ المشروعات الكبرى بالقارة.

وجاءت مشروعات البنية التحتية وممرات التنمية والطاقة المتجددة ضمن المجالات التي أشار إليها باعتبارها فرصًا استثمارية يمكن أن تجمع بين الحكومات والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل.

وتحظى البنية الأساسية بأهمية خاصة في مشروع التكامل الاقتصادي الإفريقي، لأن توسع التجارة ونقل السلع بين الدول يحتاج إلى شبكات نقل وطاقة وموانئ وممرات قادرة على ربط مناطق الإنتاج بالأسواق.

كما يرتبط الاستثمار في الطاقة المتجددة بقدرة القارة على توفير احتياجات المشروعات الصناعية الجديدة، بالتزامن مع التوسع العالمي في مشروعات الطاقة النظيفة.

التجارة الحرة الإفريقية في قلب خطة التصنيع

ربط الرئيس بين توطين الصناعة والإسراع بتفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.

ودعا إلى إزالة العقبات الجمركية وغير الجمركية التي تعرقل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال بين دول القارة، بما يساعد على بناء سوق إفريقية أكثر تكاملًا.

وتكتسب الاتفاقية أهمية أكبر عند ربطها بالتصنيع؛ فإنتاج السلع داخل دولة إفريقية يصبح أكثر جدوى عندما تكون هناك سوق أوسع يمكن الوصول إليها عبر الحدود بصورة أكثر سهولة.

ومن ثم فإن التوسع الصناعي والتجارة البينية يمثلان مسارين متكاملين، إذ يوفر التصنيع منتجات ذات قيمة مضافة بينما تمنح السوق القارية الشركات قاعدة أكبر للتوزيع والاستثمار.

ماذا يعني تخفيف العقبات غير الجمركية؟

لا تتوقف حركة التجارة بين الدول على قيمة الرسوم الجمركية فقط، إذ يمكن أن تواجه الشركات عقبات أخرى مرتبطة بالإجراءات والمواصفات وعمليات النقل والتخليص وتعدد المتطلبات الإدارية.

ولهذا جاء الحديث عن تذليل العقبات الجمركية وغير الجمركية في إطار الدعوة إلى تسهيل انتقال السلع والخدمات ورؤوس الأموال عبر القارة.

ويصبح النجاح في تقليص هذه العقبات عنصرًا ضروريًا لتحقيق استفادة فعلية من منطقة التجارة الحرة، لأن الاتفاقات وحدها لا تضمن زيادة التجارة إذا ظلت حركة البضائع تواجه صعوبات عملية بين الأسواق.

إصلاح التمويل الدولي ضمن الرسائل الاقتصادية

انتقلت كلمة الرئيس من الصناعة والتجارة إلى أحد التحديات التي تواجه الاقتصادات الإفريقية عند تمويل خطط التنمية.

وأشار إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض وخدمة الدين، إلى جانب الشروط التمويلية التي تواجهها الدول الإفريقية، مطالبًا بإصلاح هيكل التمويل الدولي وتوفير آليات تمويل مبتكرة وميسرة.

ويرتبط هذا الملف مباشرة بقدرة الدول على تنفيذ مشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة، خاصة أن المشروعات الكبرى تحتاج عادة إلى تمويل طويل الأجل بتكلفة يمكن للاقتصادات تحملها.

كما دعا الرئيس إلى منح إعفاءات مرتبطة بضريبة الكربون، في إطار حديثه عن الأعباء التي تتحملها الدول الإفريقية بسبب أزمة المناخ رغم محدودية مساهمتها التاريخية في أسبابها.

لماذا يرتبط التمويل بتوطين الصناعة؟

توطين صناعة جديدة لا يتوقف على توافر المواد الخام والسوق فقط، بل يحتاج إلى استثمارات وتمويل وشبكات طاقة ونقل ومعدات وتكنولوجيا.

ومن هنا تتقاطع الدعوة إلى إصلاح النظام المالي الدولي مع هدف زيادة التصنيع داخل إفريقيا؛ فارتفاع تكلفة التمويل يمكن أن يحد من قدرة الحكومات والشركات على تنفيذ المشروعات التي تنقل الاقتصادات من تصدير الخام إلى إنتاج السلع الأعلى قيمة.

ويضع هذا الترابط أربعة عناصر أمام المستثمرين وصناع القرار: التمويل، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والسوق القارية المفتوحة أمام حركة التجارة.

سوق إفريقية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات

ربط الرئيس توطين الصناعات داخل القارة بزيادة قدرتها على مواجهة الأزمات والصدمات الخارجية.

وتظهر أهمية هذا الاتجاه عندما تتعرض سلاسل التوريد العالمية للاضطراب أو ترتفع تكاليف النقل والاستيراد، إذ يمنح وجود قواعد إنتاج محلية وإقليمية الأسواق قدرة أكبر على توفير احتياجاتها من مصادر أقرب.

كما أن توزيع مراحل الإنتاج بين أكثر من دولة إفريقية يمكن أن يعزز الترابط الاقتصادي بينها، بدل استمرار اعتماد كل سوق بصورة منفصلة على الواردات القادمة من خارج القارة.

وتأتي الرسالة الاقتصادية الجديدة ضمن رؤية أوسع طرحها الرئيس خلال اجتماعات العلمين، تقوم على الانتقال من مجرد التنسيق بين الدول الإفريقية إلى تكامل اقتصادي قادر على تحويل الموارد البشرية والطبيعية إلى إنتاج وفرص عمل واستثمارات داخل القارة.

تم نسخ الرابط