الرئيس يطرح مسارين لمعالجة تحفظات أربع دول على الاتفاقية الإطارية
السيسي يؤكد حق مصر في مياه النيل ويطرح تعديلًا لاتفاقية دول الحوض
جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على حق مصر في مياه النيل وعدم المساس بحصتها المائية، وطرح مسارين لمعالجة الخلافات بشأن الاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول الحوض، يتمثلان في إدخال تعديل متفق عليه أو إضافة بروتوكول ملحق يعالج تحفظات الدول غير المنضمة إليها. وجاءت تصريحات الرئيس خلال استقباله الوزراء ورؤساء الوفود المشاركين في أسبوع القاهرة التاسع للمياه بقصر الاتحادية، بحضور وزيري الري والخارجية. ويحمل الطرح الرئاسي تفصيلًا مهمًا يتجاوز المطالبة السابقة بمراجعة اتفاقية عنتيبي، إذ يضع خيار البروتوكول الملحق ضمن المسارات الممكنة للوصول إلى إطار يجمع دول الحوض، دون إعلان التوصل إلى اتفاق جديد.
السيسي يطرح مسارين بشأن اتفاقية دول حوض النيل
أوضح الرئيس السيسي، وفق البيان الرسمي لرئاسة الجمهورية، أن أربع دول لا تزال خارج الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل، وأن الوصول إلى صيغة جامعة يتطلب معالجة شواغل هذه الدول من خلال تعديل متفق عليه أو بروتوكول ملحق، ضمن العملية التشاورية لمجلس وزراء المياه.
ويختلف المساران من حيث طبيعة المعالجة؛ فالأول يقوم على تعديل نصوص الاتفاقية ذاتها باتفاق الأطراف المعنية، بينما يفتح الثاني المجال أمام أداة قانونية مكملة تعالج المسائل المختلف عليها، دون افتراض ضرورة إعادة صياغة الاتفاقية بالكامل.
وتوضح الوثائق المنشورة لمبادرة حوض النيل أن الاتفاقية الإطارية تتضمن أحكامًا لتنظيم تعديلها، كما تتناول إمكانية وجود أدوات اتفاقية تكميلية بين الدول المعنية، وهو ما يساعد على فهم طبيعة البدائل القانونية المطروحة.
لكن حديث الرئيس عن بروتوكول ملحق لا يعني أن الدول اتفقت بالفعل على نص جديد، أو أن الإجراءات القانونية اللازمة لاعتماده اكتملت. فلم يتضمن البيان الرئاسي إعلان مشروع بروتوكول محدد البنود أو موعد للتوقيع عليه.
ويأتي هذا الطرح بعد تصريحات لوزير الموارد المائية والري هاني سويلم خلال افتتاح أسبوع القاهرة للمياه، أكد فيها أن إثيوبيا لا تزال تعترض على مراجعة الاتفاقية الإطارية، رغم عدم ممانعة بقية الدول المشاركة في المشاورات، بحسب الموقف المصري المعلن.
وبذلك يتمثل التطور في إدراج خيار البروتوكول المكمل ضمن الطرح الرئاسي، إلى جانب مسار تعديل الاتفاقية الذي سبق أن تحدثت عنه وزارة الري.
ما الدول الأربع الموجودة خارج اتفاقية عنتيبي؟
تشمل الدول الأربع غير الأطراف في الاتفاقية الإطارية مصر والسودان وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وفق البيانات المنشورة لمبادرة حوض النيل.
وتختلف المراكز القانونية لهذه الدول؛ فقد وقعت كينيا على الاتفاقية دون استكمال التصديق عليها، بينما لم توقع مصر والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية على النص، بحسب السجلات المنشورة للمبادرة.
ودخلت اتفاقية عنتيبي حيز النفاذ في 13 أكتوبر 2024 بعد اكتمال العدد المطلوب من التصديقات والانضمامات، إلا أن ذلك لا يجعل الدول غير الأطراف ملتزمة تلقائيًا بأحكامها.
وتستهدف الاتفاقية إنشاء إطار مؤسسي دائم للتعاون في استخدام موارد النيل وإدارتها وحمايتها، من خلال مفوضية لحوض النيل، بدلًا من الاقتصار على آليات التنسيق السابقة.
ومن أبرز القضايا التي ارتبطت بالخلافات التاريخية بشأنها المادة الرابعة عشرة المتعلقة بالأمن المائي، إلى جانب الضمانات المطلوبة لحماية مصالح الدول المختلفة وقواعد اتخاذ القرارات داخل المؤسسات المشتركة.
ولا تحدد الاتفاقية حصصًا رقمية ثابتة للمياه بين دول الحوض، وإنما تتناول مبادئ التعاون والاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن.
ويعني ذلك أن المفاوضات بشأن تعديلها أو استكمالها ببروتوكول جديد لا تتعلق بمجرد إعادة توزيع حصص محددة داخل نص الاتفاقية، وإنما بمعالجة قواعد التعاون والضمانات القانونية والمؤسسية بين الدول.
حق مصر في مياه النيل وموقف الرئيس من استخدام المياه سياسيًا
شدد الرئيس السيسي في ختام لقائه الوفود الدولية على أن مصر تطالب بعدم المساس بحصتها من مياه النيل، مؤكدًا رفض استخدام المياه لتحقيق أغراض سياسية.
وأوضح أن القاهرة تحترم حق دول حوض النيل في التنمية، وتدعم التعاون في مشروعات الطاقة والزراعة والري، بشرط الالتزام بمبادئ القانون الدولي والتشاور والتنسيق وعدم الإضرار بالدول الأخرى.
كما أكد أهمية الإخطار المسبق وتبادل الدراسات المتعلقة بالمشروعات المائية المشتركة، باعتبارها أدوات لبناء الثقة وتسهيل التعاون، وليست وسيلة لتعطيل التنمية في دول المنبع.
وجاءت هذه الرسائل امتدادًا لكلمة الرئيس خلال افتتاح أسبوع القاهرة للمياه، التي أكد فيها أن وجود منابع النهر داخل دولة لا يمنحها حق التحكم المنفرد في مورد مائي تشترك فيه شعوب متعددة.
ولا تتضمن تصريحات الرئيس إعلان تغيير في الحصة المصرية المقررة بموجب اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان، والبالغة 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، كما لا تتضمن موافقة مصر على الانضمام إلى اتفاقية عنتيبي بصيغتها القائمة.
لماذا تتمسك مصر بضمانات الأمن المائي؟
ربط الرئيس موقف مصر بحجم اعتمادها على مياه النيل، موضحًا أن النهر يوفر أكثر من 98% من مواردها المائية المتجددة، بينما لا يتجاوز متوسط الأمطار السنوية 18 ملليمترًا.
وأشار إلى تراجع نصيب الفرد من المياه إلى نحو 473 مترًا مكعبًا سنويًا، في ظل الزيادة السكانية ومحدودية الموارد الطبيعية، وهو مستوى يقل عن خط الفقر المائي المرجعي البالغ 1000 متر مكعب للفرد سنويًا.
كما تحدث عن إعادة استخدام نحو 23 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، ضمن جهود الدولة لرفع كفاءة إدارة الموارد المائية والاستفادة منها أكثر من مرة.
وفي المقابل، أشار الرئيس إلى أن حوض النيل يستقبل نحو 2050 مليار متر مكعب من الأمطار سنويًا، بينما يبلغ متوسط ما يصل إلى أسوان نحو 84 مليار متر مكعب، مؤكدًا أهمية التعاون بين دول الحوض لتعظيم الاستفادة من الأمطار والأراضي ومصادر الطاقة.
ولا تعني هذه المقارنة أن جميع كميات الأمطار المتساقطة داخل الحوض قابلة للاستخدام المباشر أو النقل إلى دول المصب، إذ يتأثر الجزء المتاح منها بعوامل طبيعية متعددة، بينها التبخر وامتصاص التربة والاستخدامات البيئية والبشرية.
لكنها توضح الأساس الذي يستند إليه الطرح المصري بشأن توسيع فرص التنمية المشتركة، بدلًا من استمرار الخلاف حول استخدامات النهر.
هل يرتبط مقترح السيسي باتفاق تشغيل سد النهضة؟
يرتبط ملف الاتفاقية الإطارية بالتعاون بين دول حوض النيل عمومًا، بينما يتعلق خلاف سد النهضة بصورة مباشرة بمصر والسودان وإثيوبيا، وبالقواعد المنظمة لتشغيل السد والتنسيق بشأن تدفقات المياه.
ولذلك لا يعني الاتفاق المحتمل على تعديل اتفاقية عنتيبي أو إصدار بروتوكول مكمل التوصل تلقائيًا إلى اتفاق مستقل بشأن تشغيل سد النهضة.
كما لم يتضمن بيان الرئاسة إعلان استئناف المفاوضات الثلاثية أو الاتفاق على قواعد جديدة للتشغيل خلال فترات الجفاف والفيضانات.
وتبقى الخطوة التالية في المسار الذي طرحه الرئيس مرتبطة بمدى تجاوب دول الحوض مع المشاورات الخاصة بمعالجة تحفظات الدول الأربع، وإمكان التوافق على تعديلات أو ترتيبات قانونية مكملة.
وتؤكد تصريحات السيسي استمرار الجمع بين مسارين في السياسة المائية المصرية؛ أولهما حماية المصالح المائية القائمة وعدم قبول الإضرار بها، وثانيهما دعم مشروعات التنمية المشتركة والتوصل إلى إطار قانوني ومؤسسي يضم جميع دول حوض النيل.









