رواية جديدة عن الضرائب والتأمينات وخلافات الإصلاح الاقتصادي
يوسف بطرس غالي ينفي استثمار أموال التأمينات بالخارج ويكشف كواليس عهد مبارك
نفى الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن يكون قد طلب استثمار أموال التأمينات والمعاشات خارج مصر، موضحًا خلال الجزء الثاني من لقائه في برنامج «موعد مع لميس» أن القانون كان يمنع هذا الإجراء، وأن النقاش الذي دار وقت توليه وزارة الاقتصاد اقتصر على توظيف جزء من الفوائض داخل البورصة المصرية خلال أزمة مالية. وتضمنت تصريحات يوسف بطرس غالي عن أموال التأمينات روايته بشأن اقتراح استثمار نحو مليار جنيه لدعم سوق المال، إلى جانب كواليس قانون الضرائب لعام 2005 وخلافاته مع كمال الجنزوري وحسني مبارك، ما يعيد طرح ملفات اقتصادية شغلت الرأي العام لسنوات.
حقيقة استثمار أموال التأمينات خارج مصر
رفض يوسف بطرس غالي الاتهامات التي تحدثت عن محاولته توجيه أموال التأمينات والمعاشات إلى استثمارات خارج البلاد، مؤكدًا أن الإطار القانوني المعمول به في ذلك الوقت لم يكن يسمح بخروج هذه الأموال للاستثمار في الخارج.
وأوضح أن الواقعة التي تحدثت عنها السفيرة الراحلة ميرفت التلاوي تعود إلى فترة توليه منصب وزير الاقتصاد، وليس وزارة المالية، مشيرًا إلى أنه لم يكن يمتلك صلاحية نقل الأموال أو توجيهها خارج مصر.
وبحسب روايته، لم يصطحب رئيس أحد البنوك الأجنبية إلى وزارة التأمينات لبحث استثمار الأموال خارج البلاد، مؤكدًا احترامه لكفاءة ميرفت التلاوي وخبرتها الدبلوماسية، رغم اختلاف روايتهما بشأن الواقعة.
لماذا طُرح استثمار جزء من الفوائض في البورصة؟
ربط غالي اقتراح دخول أموال التأمينات إلى البورصة بأزمة اقتصادية عالمية بدأت في دول جنوب شرق آسيا، وأدت إلى تراجع العملات والأسواق، قبل أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد المصري.
وأشار إلى أن البورصة المصرية تعرضت آنذاك لضغوط قوية بسبب اعتمادها بصورة كبيرة على المستثمرين الأفراد، مع غياب المؤسسات المالية القادرة على الاحتفاظ باستثماراتها لفترات طويلة وعدم الانسحاب السريع عند حدوث اضطرابات.
وأوضح أن رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري تواصل معه لمناقشة تراجع سوق المال، فاقترح دخول مؤسسات مثل شركات التأمين وصناديق المعاشات لدعم السوق بصورة مؤقتة والاستفادة من فرص الاستثمار على المدى الطويل.
اقتراح استثمار مليار جنيه داخل السوق المصرية
قال يوسف بطرس غالي إنه ناقش مع ميرفت التلاوي إمكانية توظيف جزء من فوائض التأمينات في البورصة المصرية، دون تحديد قيمة مسبقة قبل مراجعة الأموال المتاحة والالتزامات المستقبلية.
وأضاف أنه اقترح خلال المناقشة استثمار نحو مليار جنيه، على أن تتولى شركات متخصصة في إدارة المحافظ توجيه الأموال إلى أسهم تحقق عائدًا مناسبًا، وفقًا للإجراءات القانونية المنظمة.
وبحسب حديثه، طرحت وزارة التأمينات طلبًا لاختيار شركات لإدارة الاستثمار، وتم اختيار جهات من بينها شركة «كونكورد»، مؤكدًا أن الأموال جرى استثمارها داخل مصر وليس في أسواق خارجية.
وتبقى هذه التفاصيل رواية قدمها الوزير الأسبق عن أحداث وقعت خلال فترة توليه وزارة الاقتصاد، ولا تمثل تقريرًا ماليًا رسميًا حديثًا عن عوائد الأموال أو نتائج الاستثمار.
كواليس قانون الضرائب لعام 2005
تطرق غالي إلى مراحل إعداد قانون الضرائب الذي صدر عام 2005، موضحًا أن الرئيس الأسبق حسني مبارك وافق على المشروع بعد تحميله المسؤولية الكاملة عن النتائج التي ستترتب على تطبيقه.
ونقل عن مبارك تحذيره له من فشل القانون، بينما أبدى غالي ثقته في نجاح الإصلاح، معتبرًا أن المشكلة الأساسية لم تكن مقتصرة على ارتفاع سعر الضريبة، بل امتدت إلى طريقة إدارة مصلحة الضرائب وآليات التطبيق.
وانخفض سعر الضريبة وفق النظام الجديد من 42% إلى 20%، إلا أن غالي رأى أن خفض النسبة وحده لم يكن كافيًا لتحقيق النتائج المطلوبة دون إصلاح الهيكل الإداري.
إعادة هيكلة مصلحة الضرائب
أوضح وزير المالية الأسبق أن النظام الضريبي قبل الإصلاح كان يعاني من نصوص تسمح بتفسيرات متعددة، إلى جانب طول مدة النزاعات بين الممولين والمصلحة أمام المحاكم.
وأكد أن خطة الإصلاح تضمنت تغيير طريقة تطبيق القانون، وإعادة تنظيم بيئة العمل داخل مصلحة الضرائب، وتعديل الفكر الإداري الذي كان يحكم التعامل مع الممولين.
ووفقًا لروايته، ساعد الجمع بين خفض سعر الضريبة وتبسيط الإجراءات وإعادة الهيكلة في تحسين كفاءة التحصيل، بدلًا من الاعتماد على زيادة النسب المفروضة على الشركات والأفراد.
اتفاق صندوق النقد وإعفاء ديون مصر
تناول غالي العلاقة بين مصر وصندوق النقد الدولي خلال فترة التسعينيات، موضحًا أن الاتفاقات لم تكن تستهدف الحصول على تمويل جديد فقط، بل ارتبطت أيضًا بإعفاء جزء من ديون مصر بعد حرب الخليج.
وقال إن التوصل إلى اتفاق مع الصندوق كان شرطًا لتنفيذ ترتيبات نادي باريس، التي أسهمت، بحسب حديثه، في إعفاء مصر من ديون بلغت قيمتها نحو 23 مليار دولار.
وأشار إلى أن الخلاف حول التعاون مع صندوق النقد كان أحد أسباب التوتر بينه وبين كمال الجنزوري، بسبب تباين وجهات النظر بشأن برامج الإصلاح الاقتصادي وشروط المؤسسات الدولية.
خلافات يوسف بطرس غالي وكمال الجنزوري
وصف غالي علاقته بالجنزوري بأنها لم تشهد وفاقًا مستمرًا، موضحًا أن الاختلاف بينهما كان مرتبطًا بالسياسات الاقتصادية وأسلوب التعامل مع الأزمات.
وذكر أن الجنزوري كان متحفظًا تجاه صندوق النقد وبعض برامج الإصلاح، بينما كان غالي يؤيد تنفيذ تغييرات اقتصادية يراها ضرورية لمعالجة المشكلات المالية والهيكلية.
كما قال إن تعيينه وزيرًا للاقتصاد جاء في ظل علاقة متوترة بين الجنزوري والرئيس مبارك، معتبرًا أن هذه الظروف زادت حدة الخلافات داخل الحكومة بشأن إدارة الملف الاقتصادي.
علاقته بحسني مبارك
تحدث وزير المالية الأسبق عن خلافات متكررة مع حسني مبارك بشأن الإصلاح الضريبي والجمارك وغيرها من القرارات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الرئيس الأسبق كان يميل إلى الحذر قبل اتخاذ القرارات ذات التأثير الواسع.
وأوضح أنه كان يتمسك بعرض وجهة نظره والدفاع عنها، خاصة عندما يعتقد أن الإجراء المقترح سيحقق نتائج إيجابية على المدى البعيد، حتى مع وجود ضغوط أو آثار مؤقتة في بداية التطبيق.
وأشار إلى أن المناقشات كانت تنتهي إما باقتناع مبارك بالمقترح أو رفضه بصورة حاسمة، مؤكدًا أن الاختلافات بينهما دارت حول السياسات الاقتصادية وآليات تنفيذها.
موقفه من ملف توريث الحكم
رفض يوسف بطرس غالي حسم الجدل المتعلق بما إذا كان جمال مبارك يسعى إلى تولي رئاسة الجمهورية خلفًا لوالده، موضحًا أنه لم يناقش هذا الأمر معه بشكل مباشر.
وقال إن الحديث عن التوريث كان متداولًا داخل الأوساط السياسية آنذاك، لكنه لم يكن طرفًا في مناقشات تتعلق بنقل السلطة أو ترشيح جمال مبارك للرئاسة.
وأكد في المقابل أن جمال مبارك كان يدعم مجموعة الوزراء الاقتصادية ويساعدهم في تمرير بعض السياسات، دون أن يعني ذلك امتلاكه معلومات عن خططه السياسية أو الرئاسية.
معايير اختيار فريق العمل
استعرض غالي طريقته في اختيار الكوادر التي عملت معه، موضحًا أن الأولوية لم تكن لحجم المعلومات التي يمتلكها الشخص، وإنما لقدرته على التفكير والتحليل والربط بين الملفات المختلفة.
وأشار إلى أن عددًا من المسؤولين الذين تولوا لاحقًا مناصب اقتصادية ومالية بارزة بدأوا العمل ضمن فريقه، ومن بينهم محمود محيي الدين وممتاز السعيد وعمرو الجارحي وهاني قدري ومحمد معيط وأحمد كجوك ومحمد فريد.
وأوضح أنه كان يعقد مقابلات شخصية مع المرشحين قبل ضمهم إلى فريقه، لاختبار سرعة البديهة وطريقة التعامل مع المشكلات، معتبرًا أن المعرفة الفنية يمكن تطويرها، بينما تبقى القدرة على التفكير معيارًا أساسيًا.
رحلته من القسم الأدبي إلى معهد MIT
ذكر يوسف بطرس غالي أنه التحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة بعد دراسته بالقسم الأدبي، ونجح في أن يكون بين أوائل دفعته.
وكشف أنه تقدم إلى 23 جامعة لاستكمال دراسة الدكتوراه، لكنه تلقى رفضًا من 22 جامعة، بينما وافق معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» على قبوله بعد مناقشة مع رئيس القسم.
وأوضح أن قبوله جاء رغم عدم امتلاكه خلفية كافية في بعض العلوم المطلوبة، معتبرًا أن طريقة التفكير والاستعداد للتعلم لعبا دورًا مهمًا في استكمال مسيرته الأكاديمية.
وتقدم تصريحات غالي روايته الشخصية لملفات اقتصادية وسياسية تعود إلى فترات سابقة، وفي مقدمتها أموال التأمينات والإصلاح الضريبي والعلاقة بين مؤسسات الحكم، بينما تبقى الوثائق الرسمية والقوانين والتقارير المالية المرجع الأساسي عند تقييم القرارات ونتائجها.
- تصريحات يوسف بطرس غالي عن أموال التأمينات
- يوسف بطرس غالي وأموال المعاشات
- التأمينات
- استثمار
- الضرائب
- يوسف بطرس غالي









