شبكة نانوية من PVDF تعكس الشمس وتطرد الحرارة عبر الأشعة تحت الحمراء
مادة إسبانية تبرد الأسطح دون كهرباء بفارق 12.9 درجة وتقلل الاعتماد على التكييف
نجح باحثون في معهد الميكرو والنانو تكنولوجي التابع للمجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا في تطوير مادة تبريد الأسطح دون كهرباء تعتمد على شبكة نانوية ثلاثية الأبعاد من بوليمر PVDF، وتمكنت خلال الاختبارات الخارجية من تحقيق فارق في درجة الحرارة وصل إلى 12.9 درجة مئوية مقارنة بصندوق مرجعي فارغ، عند ذروة إشعاع شمسي بلغت 962 واط لكل متر مربع. ولا تعمل التقنية كجهاز تكييف تقليدي، بل تجمع بين عكس جزء كبير من أشعة الشمس وإطلاق الحرارة في نطاق من الأشعة تحت الحمراء يستطيع المرور عبر الغلاف الجوي إلى الفضاء، وهو ما يعرف بالتبريد الإشعاعي السلبي خلال النهار.
كيف تعمل المادة دون مصدر للكهرباء؟
تعتمد التقنية على ظاهرة فيزيائية تسمح للأجسام بالتخلص من جزء من حرارتها عبر الإشعاع الحراري، مع استغلال ما يعرف بالنافذة الجوية في نطاق الأطوال الموجية من 8 إلى 13 ميكرومتر.
وفي هذا النطاق يكون الغلاف الجوي أكثر قدرة على السماح بمرور الإشعاع الحراري نحو الفضاء، ولذلك يمكن لمادة مصممة بعناية أن تطلق الحرارة بكفاءة، وفي الوقت نفسه تقلل كمية الطاقة الشمسية التي تمتصها خلال ساعات النهار.
والميزة الأساسية هنا أن عملية التبريد نفسها لا تحتاج إلى ضاغط أو دورة تبريد ميكانيكية أو استهلاك مباشر للكهرباء، لأنها تعتمد على الخصائص البصرية والحرارية للمادة.
82.4% من الإشعاع الشمسي ينعكس بعيدًا
أظهرت قياسات الباحثين أن النسخة المحسنة من الشبكة النانوية ثلاثية الأبعاد المصنوعة من فلوريد البولي فينيليدين، أو PVDF، حققت متوسط انعكاس شمسي بلغ 82.4% في النطاق من 0.32 إلى 2.5 ميكرومتر.
ويعني ارتفاع الانعكاسية أن نسبة كبيرة من الإشعاع الشمسي لا تتحول إلى حرارة داخل المادة، وهو العنصر الأول المطلوب لتحقيق التبريد السلبي في وضح النهار.
وفي المقابل، سجلت المادة انبعاثية بلغت 96.7% داخل النافذة الجوية الواقعة بين 8 و13 ميكرومتر، ما يمنحها قدرة مرتفعة على إطلاق الطاقة الحرارية في النطاق المناسب لخروجها عبر الغلاف الجوي.
قدرة تبريد نظرية تصل إلى 182.3 واط للمتر
عند الجمع بين الانعكاسية الشمسية والانبعاثية الحرارية، توصل الباحثون إلى قدرة تبريد نظرية تبلغ 182.3 واط لكل متر مربع تحت إشعاع شمسي مقداره 1000 واط لكل متر مربع.
ولا يعني هذا الرقم أن المادة تنتج كهرباء أو تعمل كجهاز تكييف بقدرة 182.3 واط، وإنما يعبر عن كثافة قدرة التبريد الإشعاعي المحسوبة في ظروف الدراسة.
ويعد هذا التفريق ضروريًا لفهم النتائج، إذ إن التقنية تستهدف خفض التسخين الذي تتعرض له الأسطح والتخلص من الحرارة إشعاعيًا، وليس استبدال أنظمة التكييف بوحدة ميكانيكية جديدة تعمل بالطريقة نفسها.
ماذا حدث في الاختبار الخارجي؟
انتقلت الدراسة من الحسابات والقياسات المعملية إلى اختبار خارجي، حيث أجريت تجارب على المادة تحت أشعة الشمس في تريس كانتوس بمدريد.
وعند وصول شدة الإشعاع الشمسي إلى ذروة بلغت 962 واط لكل متر مربع، سجل النظام المزود بالشبكة النانوية انخفاضًا في درجة الحرارة وصل إلى 12.9 درجة مئوية مقارنة بصندوق مرجعي فارغ في إعداد التجربة.
وهذه النقطة أكثر دقة من وصف النتيجة باعتبارها انخفاضًا ثابتًا بمقدار 12.9 درجة عن حرارة الهواء أو عن جميع أنواع الأسطح؛ فالرقم يمثل أفضل فارق حراري تم قياسه في ظروف الاختبار المحددة وبالمقارنة المرجعية المستخدمة في الدراسة.
سر التطوير في البنية النانوية وليس PVDF وحده
بوليمر PVDF ليس مادة جديدة في حد ذاته، لكن الباحثين ركزوا على طريقة تشكيله للوصول إلى الخصائص المطلوبة للتبريد الإشعاعي.
واعتمد الفريق على قوالب نانوية مسامية من أكسيد الألومنيوم المؤكسد لتكوين شبكات ثلاثية الأبعاد من البوليمر، بما يسمح بالتحكم في البنية الداخلية على مقياس النانومتر والتأثير في كيفية تفاعل المادة مع الإشعاع الشمسي والأشعة تحت الحمراء.
كما أظهرت الدراسة أن النسخة المحسنة التي خضعت لعملية تبريد فائق السرعة بعد التصنيع قدمت أفضل مجموعة من الخصائص البصرية، وهي النسخة التي سجلت انعكاسية شمسية بمتوسط 82.4% وانبعاثية 96.7% في النافذة الجوية.
لماذا اختار الباحثون مادة PVDF؟
يتميز فلوريد البولي فينيليدين بخصائص تساعد على استخدامه في التبريد الإشعاعي، من بينها قدرته على إصدار الإشعاع الحراري في نطاق الأشعة تحت الحمراء.
ويشير معهد الميكرو والنانو تكنولوجي الإسباني إلى أن المادة المستخدمة في المشروع تجمع كذلك بين خصائص تجعلها مرشحة للتطبيقات الخارجية، بينما ركز البحث على تحسين أدائها من خلال هندسة البنية النانوية وليس الاعتماد على البوليمر في صورته التقليدية فقط.
أين يمكن استخدام مادة التبريد الجديدة؟
يرى الفريق البحثي أن التقنية قد تفتح المجال أمام تطبيقات في أسطح وواجهات المباني، والمركبات، والأجهزة الإلكترونية، إلى جانب أنظمة أخرى تحتاج إلى الحد من تراكم الحرارة دون زيادة استهلاك الطاقة.
وفي المباني تحديدًا، يمكن لمواد التبريد الإشعاعي أن تعمل على تقليل كمية الحرارة المكتسبة من أشعة الشمس، ما قد يخفض الحمل المطلوب من أنظمة التكييف عند دمجها بصورة مناسبة في تصميم المبنى.
لكن الدراسة لا تعني أن المادة أصبحت بديلًا تجاريًا جاهزًا لأجهزة التكييف، ولا تقدم رقمًا عامًا ومؤكدًا لنسبة خفض فاتورة الكهرباء في أي مبنى، لأن ذلك سيتغير باختلاف المناخ ومساحة التطبيق والعزل ونوع المبنى وظروف التشغيل.
الطلب العالمي على التبريد يضغط على شبكات الكهرباء
تأتي أهمية البحث بالتزامن مع ارتفاع استهلاك الكهرباء المرتبط بالتبريد عالميًا. وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على الكهرباء لأغراض تبريد المساحات ارتفع بنحو 50% منذ عام 2015 ليصل إلى قرابة 2900 تيراواط/ساعة، وأن التبريد يمثل حاليًا نحو 10% من الاستهلاك السنوي للكهرباء عالميًا، مع تأثير أكبر بكثير خلال ساعات الذروة.
كما أوضحت الوكالة أن الطلب على التبريد مسؤول عن 14% من نمو الطلب العالمي على الكهرباء منذ 2015، وهو ما يفسر الاهتمام بتقنيات التبريد السلبي التي تستطيع تخفيف جزء من الحمل الحراري قبل اللجوء إلى أجهزة التكييف.
ومن ثم، فإن الرقم المتداول بأن أجهزة التكييف تستهلك 20% من الكهرباء عالميًا يحتاج إلى ضبط؛ فالبيانات الأحدث لوكالة الطاقة الدولية تضع تبريد المساحات عند نحو 10% من الاستهلاك السنوي العالمي للكهرباء، بينما وردت نسبة تقارب 20% في تقديرات أقدم عند الحديث عن حصة التكييف والمراوح من كهرباء المباني عالميًا.
ما المرحلة التي وصلت إليها التقنية؟
تثبت النتائج الحالية قدرة التصميم النانوي لـPVDF على تحقيق تبريد إشعاعي نهاري في الاختبارات، لكنها لا تعني اكتمال جميع المراحل اللازمة لانتشار المادة تجاريًا على أسطح المباني والسيارات.
فالانتقال من نموذج بحثي إلى منتج واسع الاستخدام يتطلب تقييم التصنيع على مساحات كبيرة، والتكلفة الفعلية عند الإنتاج الصناعي، والعمر التشغيلي، ومدى ثبات الخصائص بعد التعرض الطويل للشمس والعوامل الجوية، إلى جانب اختبار الأداء في ظروف مناخية مختلفة.
وبالتالي تتمثل القيمة الحالية للاكتشاف في إثبات إمكانية الحصول على أداء تبريد قوي دون استهلاك مباشر للكهرباء باستخدام شبكة نانوية مصممة للتحكم في امتصاص الشمس وإطلاق الحرارة، بينما يظل تحويل هذه النتيجة إلى تطبيق تجاري واسع خطوة تالية تحتاج إلى مزيد من التطوير والاختبارات.
- مادة تبريد الأسطح دون كهرباء
- التبريد الإشعاعي السلبي
- مادة PVDF
- تبريد المباني دون كهرباء
- تبريد الأسطح
- تقنية التبريد الإشعاعي
- خفض استهلاك التكييف
- المواد النانوية للتبريد
- تبريد المباني بالطاقة السلبية
- أبحاث التبريد دون كهرباء









