الحلقة فرقت بين نظرة المجتمع وحقوق السائق وضوابط نشر المقاطع
لميس الحديدي عن فتاة الأوبر: الأحكام على المرأة والخصوصية تحتاج تغييرًا مجتمعيًا بجانب القانون
نقلت لميس الحديدي النقاش حول واقعة فتاة الأوبر من تفاصيل المشادة داخل سيارة النقل الذكي إلى سؤال أوسع يتعلق بطريقة الحكم على النساء والخصوصية، متسائلة خلال برنامج «الصورة» عما إذا كان انزعاج السائق سيبقى بالدرجة نفسها لو كان الراكب رجلًا. غير أن النقاش داخل الحلقة نفسها أظهر جانبًا آخر؛ إذ اعتبر الباحث محمد مرعي أن حق السائق في رفض سلوك معين داخل سيارته لا يختلف باختلاف جنس الراكب. وبين الموقفين تظهر نقطة مهمة: القانون ينظم جوانب من التصوير والنشر والحياة الخاصة، لكنه لا يحسم وحده النقاش المجتمعي حول ازدواجية المعايير أو الأحكام المسبقة.
لميس الحديدي تربط الواقعة بطريقة الحكم على المرأة
ركزت لميس الحديدي في تعليقها على السؤال الاجتماعي الذي أثارته الواقعة، وليس فقط على الاتهامات المتبادلة بين السائق والفتاة.
وتساءلت عما إذا كان رد الفعل سيختلف حال وجود رجل في السيارة بدلًا من امرأة، معتبرة أن طريقة التعامل مع بعض تصرفات النساء قد تتأثر بأحكام مجتمعية مسبقة.
وقالت في جزء من تعليقها: «لو ده راجل اللي في العربية وبيشرب هل السواق كان هينزعج برضو ولا عشان ست؟»، قبل أن توسع النقاش ليشمل التصوير والتشهير وانتهاك الخصوصية، مؤكدة أن وجود القوانين وحده لا يكفي ما لم يتغير السلوك المجتمعي تجاه المرأة.
وربطت الحديدي هذا التغيير بالثقافة والتعليم، معتبرة أن مواجهة ممارسات مثل تصوير الأشخاص أو نشر تفاصيل حياتهم لا تتوقف على النصوص القانونية والعقوبات فقط، وإنما تحتاج إلى تغيير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى خصوصية الأفراد، وخاصة النساء.
رأي مقابل داخل الحلقة: حق السائق لا يرتبط بكون الراكب امرأة
النقاش لم يقتصر على طرح لميس الحديدي، إذ قدم محمد مرعي، الباحث ومدير المرصد المصري بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، رؤية مختلفة داخل البرنامج نفسه.
مرعي قال إن السائق من حقه الاعتراض على بعض التصرفات داخل سيارته، وإن هذا الحق -من وجهة نظره- لا يرتبط بكون الراكب رجلًا أو امرأة.
واعتبر أن السيارة تخص السائق، ومن حقه رفض استمرار سلوك لا يقبله داخلها أو إنهاء الرحلة، مؤكدًا أن موقفه كان سيظل نفسه لو كان الراكب رجلًا. وفي المقابل، فصل بين رفض السلوك وبين نشر تسجيل الواقعة على مواقع التواصل، إذ رفض تحويل التوثيق إلى وسيلة للتشهير.
وهذا الاختلاف داخل الحلقة نفسها يضيف بعدًا مهمًا إلى القضية؛ فهناك سؤال عن مدى وجود أحكام مختلفة تجاه المرأة، وفي الوقت نفسه يوجد سؤال منفصل عن حدود حق السائق داخل سيارته، ولا يعني قبول أحد السؤالين إسقاط الآخر.
الخصوصية في القانون لا تعني حكمًا تلقائيًا على الواقعة
حديث لميس الحديدي عن الخصوصية يأتي بالتزامن مع اهتمام رسمي متزايد بضوابط تناول الحياة الخاصة، لكن تطبيق النصوص القانونية على واقعة فتاة الأوبر نفسها يحتاج إلى الفصل بين التصوير والنشر ومكان الواقعة وظروفها.
تنص المادة 309 مكرر من قانون العقوبات على تجريم التقاط أو نقل صورة شخص بغير رضاه عندما يكون موجودًا في «مكان خاص» وفي غير الأحوال المصرح بها قانونًا. ولذلك فإن مجرد وجود تصوير لا يسمح وحده بالجزم بتوافر الجريمة؛ إذ يرتبط التكييف القانوني بطبيعة المكان والظروف والوقائع التي تفحصها جهات التحقيق.
وتختلف هذه المسألة عن قواعد النشر الإعلامي؛ فالمادة 20 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018 تحظر تعرض وسائل النشر أو البث للحياة الخاصة للمواطنين، إلا في الحالات التي يجيزها القانون بالنسبة للمشتغلين بالعمل العام عندما تكون المسألة مرتبطة بأعمالهم وتستهدف المصلحة العامة.
وبذلك توجد دائرتان مختلفتان: الأولى تتعلق بالتصوير ذاته وما إذا كان وقع في ظروف يجرمها القانون، والثانية تتعلق بتحويل الصور أو التفاصيل الشخصية لاحقًا إلى مادة للنشر أو البث.

الأعلى للإعلام يشدد على حماية الحياة الخاصة
جاء نقاش لميس الحديدي في فترة اتخذ فيها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عدة إجراءات مرتبطة بتناول الحياة الخاصة في وسائل الإعلام.
وفي 14 سبتمبر 2026، أكد المجلس خلال إجراءات اتخذها في واقعة إعلامية أخرى أن احترام الحياة الخاصة يمثل جزءًا من الإعلام المسؤول، وأن المطلوب هو تحقيق توازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأشخاص في الخصوصية.
كما تنص ضوابط وأخلاقيات نشر أخبار الجريمة والتحقيقات الصادرة عن المجلس على احترام خصوصية الأفراد وعدم تحويل ضحايا أو أطراف الوقائع إلى مادة تنتهك حياتهم الشخصية، مع الالتزام بعدم إصدار أحكام مسبقة قبل انتهاء المسار القضائي.
ولا تعني هذه القواعد صدور قرار من المجلس بشأن فتاة الأوبر تحديدًا، لكنها توضح الإطار المهني الأوسع الذي يحكم التعامل الإعلامي مع الوقائع التي تجمع بين التحقيقات والحياة الشخصية وانتشار المقاطع المصورة.
ما الذي ما زال غير محسوم في واقعة فتاة الأوبر؟
رغم اتساع النقاش الاجتماعي والإعلامي، تظل عدة نقاط في الواقعة الأصلية محل روايات مختلفة أو تحقيقات لم تنته إلى حكم نهائي.
السائق بكر النحاس قال إن التصوير كان بهدف توثيق ما حدث والحفاظ على حقه القانوني، وليس بغرض التشهير بالفتاة، بينما ربطت أسرتها تصاعد المشادة بقيام السائق بتصويرها.
كما ظهرت روايات مختلفة بشأن طبيعة المشروب الموجود داخل السيارة؛ إذ تحدث السائق عن مشروب كحولي، في حين قال دفاع المواطن الخليجي الذي كان برفقة الفتاة إن الموجود كان مشروب طاقة. ولم تحسم هذه الروايات المختلفة بمجرد تداولها إعلاميًا.
وكانت النيابة قد قررت إخلاء سبيل الفتاة بكفالة 10 آلاف جنيه على ذمة التحقيقات، وهو إجراء لا يمثل حكمًا بالبراءة أو الإدانة، فيما ظل ملف المشادة والتصوير والمقاطع المرتبطة بالقضية قيد الفحص.
من واقعة فردية إلى نقاش حول الثقافة والخصوصية
القيمة الجديدة في تعليق لميس الحديدي لا تتمثل في تقديم رواية جديدة عن بداية المشادة، وإنما في نقل القضية إلى سؤال اجتماعي: هل يتعرض الرجال والنساء للمعايير نفسها عندما تحدث التصرفات ذاتها؟
وفي المقابل، أظهر النقاش داخل برنامجها أن هذا السؤال لا يلغي حق السائق في الاعتراض على سلوك يقع داخل سيارته، بحسب الرأي الذي طرحه محمد مرعي، كما لا يحسم بمفرده مشروعية التصوير أو النشر.
وتصبح الصورة أكثر دقة عند فصل ثلاثة مستويات عن بعضها: التحقيق القانوني الذي يحدد مسؤولية أطراف الواقعة، وقواعد الخصوصية والنشر التي تنظم استخدام الصور والمعلومات الشخصية، والنقاش الثقافي الذي أثارته الحديدي بشأن الأحكام المجتمعية على المرأة.
وهذا الفصل يمنع تحويل موقف إعلامي إلى نتيجة قضائية، وفي الوقت نفسه يوضح لماذا رأت الحديدي أن إصدار قوانين إضافية لن يكون كافيًا وحده إذا استمرت ممارسات التصوير والتشهير وإصدار الأحكام على الحياة الخاصة.









