التقرير يربط التيسير بتراجع الطاقة واستقرار الجنيه والتضخم
إنتيسا سان باولو تتوقع خفض فائدة المركزي 5% خلال 2027 إلى 15%
وضعت مجموعة إنتيسا سان باولو مسارًا جديدًا لتوقعات أسعار الفائدة في مصر، يرجح بقاء السياسة النقدية دون خفض جديد حتى نهاية 2026، قبل استئناف التيسير بعد الربع الأول من 2027، مع خفض تراكمي قد يصل إلى 500 نقطة أساس خلال العام ووصول المعدل المرجعي في تقديراتها إلى 15% بنهايته. السيناريو ليس قرارًا صادرًا عن البنك المركزي المصري، بل توقع مشروط بتراجع أسعار الطاقة العالمية واستقرار سعر الصرف واستمرار انخفاض التضخم، ويأتي بعد أيام من تثبيت المركزي الفائدة عند مستوياتها الحالية.
وتكمن الدلالة الأهم في تغير توقيت توقعات المؤسسة نفسها خلال فترة قصيرة؛ ففي 21 أغسطس كان أحد تقاريرها عن مصر يشير إلى إمكانية استئناف التيسير النقدي بحلول نهاية 2026، بينما جاء تقرير 25 سبتمبر بعنوان يربط تأخر استئناف الخفض بمخاطر الطاقة، ليتحول السيناريو الأحدث إلى انتظار ما بعد الربع الأول من 2027.
من نهاية 2026 إلى ما بعد الربع الأول من 2027
يعكس التغيير بين تقريري أغسطس وسبتمبر زيادة الحذر تجاه توقيت خفض الفائدة، وليس التخلي عن توقع التيسير النقدي بالكامل.
فالتقرير الأحدث يرى أن مساحة الخفض قد تتسع خلال 2027 إذا هدأت الضغوط الخارجية، بحيث يصل إجمالي التخفيض المتوقع إلى 5 نقاط مئوية، أو 500 نقطة أساس، على مدار العام.
ولا يعني هذا التقدير أن المركزي أعلن جدولًا لخفض الفائدة أو حدد عدد مرات التخفيض وحجم كل خطوة؛ إذ تظل قرارات لجنة السياسة النقدية مرتبطة بالبيانات المتاحة في كل اجتماع، وخاصة التضخم وسعر الصرف والأسعار العالمية والمخاطر الجيوسياسية.
كما أن نسبة 15% الواردة في توقعات إنتيسا تمثل المستوى المرجعي المستخدم في سيناريو المؤسسة بنهاية 2027، بينما تتكون أسعار البنك المركزي السارية حاليًا من أكثر من معدل: 19% للإيداع لليلة واحدة، و20% للإقراض، و19.5% لسعر العملية الرئيسية. لذلك لا يعني توقع الخفض أن جميع هذه المعدلات ستسجل رقمًا موحدًا قدره 15%.
لماذا أبقى المركزي الفائدة دون تغيير؟
قررت لجنة السياسة النقدية في 24 سبتمبر 2026 الإبقاء على سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، وسعر الإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%، إلى جانب تثبيت سعر الائتمان والخصم عند 19.5%.
ويمثل قرار سبتمبر خامس تثبيت متتالٍ بعد آخر خفض نفذه البنك المركزي في 12 فبراير 2026 بواقع 100 نقطة أساس، عندما وصلت أسعار العائد إلى المستويات الحالية. ومنذ ذلك الحين ثبتت اللجنة الفائدة في اجتماعات أبريل ومايو ويوليو وأغسطس وسبتمبر.
وأوضح البنك المركزي أن مستوى التشديد النقدي الحالي يوفر حيزًا للتعامل مع المخاطر المحيطة بالتضخم، في وقت ما تزال فيه الأسعار العالمية للطاقة والغذاء والتوترات الإقليمية من مصادر المخاطر الصعودية.
التضخم ينخفض لكن المخاطر لم تختف
سجل التضخم العام السنوي في المدن 14.5% خلال أغسطس 2026، مقابل 14.9% في يوليو، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.9% من 14.7% خلال الفترة نفسها.
وتعطي هذه الأرقام صورة مزدوجة؛ فالتضخم العام سجل تراجعًا، لكن مؤشر التضخم الأساسي لم يتحرك في الاتجاه نفسه، وهو ما يفسر جانبًا من الحذر في الانتقال سريعًا إلى خفض جديد للفائدة.
وفي بيان سبتمبر، خفض البنك المركزي توقعاته للتضخم مقارنة بتقديرات اجتماع أغسطس، متوقعًا استقرار المعدل السنوي للتضخم العام خلال الربع الثالث من 2026 ثم تراجعه تدريجيًا، وصولًا إلى مستهدف 7% بزيادة أو نقصان نقطتين مئويتين خلال النصف الثاني من 2027.
ويتقاطع هذا المسار مع سيناريو إنتيسا سان باولو؛ فاقتراب التضخم من نطاق المستهدف خلال 2027 يمثل أحد العوامل التي يمكن أن تسمح بمزيد من التيسير، بشرط ألا تعيد أسعار الطاقة أو سعر الصرف الضغوط التضخمية إلى الارتفاع.

3 شروط تحدد مسار الخفض في 2027
يربط تقرير إنتيسا سان باولو استئناف دورة خفض الفائدة بثلاثة متغيرات رئيسية: انخفاض أسعار الطاقة الدولية، واستقرار سعر صرف الجنيه، واستمرار وترسخ اتجاه تراجع التضخم.
وتبرز أسعار الطاقة باعتبارها نقطة محورية لأن البنك المركزي نفسه حذر في بيان سبتمبر من أن استمرار ارتفاعها عالميًا لفترة ممتدة قد يضغط على توقعات التضخم المحلي، إلى جانب مخاطر أسعار الغذاء وتداعيات التطورات الإقليمية.
أما شرط استقرار سوق الصرف، فيأتي في وقت سجلت فيه تحويلات المصريين العاملين بالخارج 29.7 مليار دولار خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026، بزيادة 28.1% عن 23.2 مليار دولار في الفترة المقابلة من 2025، بينما بلغت تحويلات يوليو وحده نحو 4.5 مليار دولار. وتمثل التحويلات أحد مصادر تدفقات النقد الأجنبي، لكنها لا تكفي منفردة للحكم على المسار المستقبلي لسعر الصرف.
ماذا تغير في توقعات إنتيسا؟
تكشف مقارنة الإصدارات الأخيرة للمؤسسة عن انتقال واضح نحو سيناريو أكثر تحفظًا في توقيت التيسير.
ففي تقرير 21 أغسطس كان السيناريو المطروح يسمح بإمكانية استئناف الخفض قبل نهاية 2026، بينما وضع تقرير 25 سبتمبر مخاطر الطاقة في مقدمة العوامل التي تؤخر هذه الخطوة، ليتجه التوقع الجديد إلى ما بعد الربع الأول من 2027.
كما أن تقديرات سابقة للمجموعة خلال 2026 كانت أكثر تفاؤلًا بشأن مستوى الفائدة المتوقع في 2027، قبل أن تفرض تطورات الطاقة والمخاطر الخارجية إعادة تقييم للمسار. وهذا التحول يوضح أن رقم 15% ليس مستوى محسومًا مسبقًا، وإنما نتيجة لافتراضات يمكن أن تتغير إذا تحرك التضخم أو الجنيه أو أسعار الطاقة بصورة مختلفة عن السيناريو الأساسي.
متى يجتمع البنك المركزي مجددًا؟
يتبقى أمام لجنة السياسة النقدية اجتماعات خلال 2026 في 29 أكتوبر و17 ديسمبر، وفق الجدول الرسمي للبنك المركزي.
وتعني توقعات إنتيسا بالإبقاء على السياسة الحالية حتى نهاية العام أنها لا ترجح، وفق سيناريوها الأساسي، بدء دورة التيسير الجديدة في هذين الاجتماعين.
لكن القرار النهائي يظل للجنة السياسة النقدية، التي تؤكد أن تحركاتها تعتمد على البيانات الاقتصادية وتوازن المخاطر في كل اجتماع، ولا يوجد إعلان رسمي حتى الآن عن خفض محدد في 2027 أو عن الوصول إلى فائدة 15%.
وبذلك يصبح الفارق الأساسي بين الوضع الحالي والتوقع الجديد واضحًا: الفائدة الرسمية ما تزال عند 19% للإيداع و20% للإقراض، بينما سيناريو إنتيسا يتوقع تأجيل الخفض إلى ما بعد الربع الأول من 2027 ثم تنفيذ تيسير تراكمي يصل إلى 500 نقطة أساس إذا تحققت شروطه الاقتصادية.









