حيثيات البراءة أسقطت الاعتراف والتحريات وتركت هوية الجاني بلا حكم

مذبحة بني مزار.. لماذا بُرئ المتهم الوحيد وماذا قال بعد البراءة؟

مذبحة بني مزار..
مذبحة بني مزار.. أسباب براءة محمد عبداللطيف

أعادت حكاية «ما لم يُحكَ عن بني مزار» ملف الجريمة التي شهدتها عزبة شمس الدين بالمنيا إلى الواجهة بعد أكثر من 20 عامًا، لكن السجل القضائي للقضية يكشف فارقًا أساسيًا بين ما نُسب إلى محمد علي محمد أحمد عبداللطيف خلال التحقيقات، وما انتهت إليه المحكمة لاحقًا، وبين الرواية التي قدمها بنفسه بعد حصوله على البراءة. ففي سبتمبر 2006 برأته محكمة جنايات المنيا، ثم أيدت محكمة النقض الحكم في 22 ديسمبر 2008، بينما ظل مرتكب جريمة قتل الضحايا العشرة دون إدانة قضائية لشخص آخر.

وتكشف مراجعة مراحل القضية عن نقطة لافتة تتجاوز إعادة سرد الجريمة: بعض ما ورد في بيان إحالة المتهم للمحاكمة بشأن الأدلة المادية يختلف عما نُشر لاحقًا ضمن أسباب حكم البراءة، وهو تعارض يجب الفصل بين مرحلتيه بدل تقديم إحدى الروايتين باعتبارها الحقيقة الوحيدة.

ما الذي حدث في مذبحة بني مزار؟

وقعت الجريمة في الساعات الأولى من 29 ديسمبر 2005 بعزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، حيث عُثر على 10 ضحايا من ثلاث أسر داخل ثلاثة منازل، لتبدأ تحقيقات انتهت باتهام محمد علي عبداللطيف وإحالته إلى محكمة جنايات المنيا.

وفي يونيو 2006، أعلن بيان صادر عن النائب العام إحالة المتهم محبوسًا إلى الجنايات، وقال إن التحقيقات توصلت إلى ارتكابه الواقعة بمفرده، مستندة إلى أقوال شهود وضباط مباحث واعتراف منسوب إليه وتقارير فنية وأدلة مادية.

لكن انتقال الملف من مرحلة الاتهام إلى المحاكمة أدى إلى إعادة فحص هذه العناصر، وانتهت المحكمة إلى نتيجة مختلفة تمامًا عن الرواية التي بُني عليها أمر الإحالة.

 

لماذا بُرئ المتهم الوحيد في مذبحة بني مزار؟

لم تستند محكمة جنايات المنيا في البراءة إلى ثغرة واحدة، وإنما إلى مجموعة من الأسباب التي أضعفت بناء الاتهام في نظرها.

ومن أبرزها ما انتهت إليه المحكمة بشأن عدم جدية التحريات التي قام عليها إذن القبض والتفتيش، إلى جانب ملاحظات مرتبطة بإجراءات تحريز بعض المضبوطات. كما لم تطمئن المحكمة إلى الاعترافات المنسوبة إلى المتهم، واعتبرت أنها تأثرت بإكراه مادي ومعنوي، ولذلك لم تعول عليها في الإدانة.

وكان عامل الزمن من النقاط المركزية أيضًا. فأسباب الحكم المنشورة ناقشت مدى إمكانية أن ينفذ شخص واحد بمفرده الاعتداءات التي تعرض لها عشرة أشخاص داخل ثلاثة منازل خلال الفترة الزمنية التي طرحتها التحقيقات، وانتهت المحكمة إلى أن هذا التصور لا يتسق مع الصورة الفنية التي اطمأنت إليها.

كما تناول الحكم الفحوص النفسية والطبية للمتهم، وقالت أسبابه المنشورة إن الأوراق لم تثبت لديه حالة نفسية أو عقلية أو اضطرابًا سلوكيًا أو انحرافًا جنسيًا يصلح تفسيرًا أو دافعًا للواقعة، مع ثبوت مسؤوليته عن أفعاله وإدراكه لها.

مفارقة في الأدلة بين الإحالة وحيثيات البراءة

إحدى أكثر النقاط التي تستحق التوقف أمامها تظهر عند مقارنة ما نُشر وقت إحالة المتهم للمحاكمة بما نُشر بعد صدور أسباب البراءة.

ففي يونيو 2006، نقل البيان الخاص بالإحالة أن تحليل الدماء الملوثة لجلباب المتهم كشف عن بصمة وراثية تخص المجني عليهم، وكان ذلك ضمن العناصر التي قدمها الاتهام لتدعيم القضية أمام المحكمة.

لكن أسباب حكم البراءة المنشورة في أكتوبر من العام نفسه تضمنت نتيجة مختلفة، إذ قالت إن فحص الجلباب المضبوط بمسكن المتهم لم يكشف عن تلوثات دموية، وإن فحص فردتي الحذاء لم يُظهر تلوثات بدماء آدمية.

ولا تسمح المواد المنشورة المتاحة بحسم سبب هذا الاختلاف، أو تحديد ما إذا كانت البيانات تتعلق بفحوص مختلفة أو مراحل وأحراز مختلفة. لذلك لا يصح تقديم أي من الروايتين منفردة على أنها الصورة الكاملة دون الإشارة إلى وجود هذا التباين في السجل المنشور للقضية.

ماذا قال محمد عبداللطيف بعد البراءة؟

بعد أيام من حكم جنايات المنيا في سبتمبر 2006، تمسك محمد عبداللطيف ببراءته، وقال في أول تصريحات صحفية نُشرت بعد خروجه إن الاعترافات المنسوبة إليه جاءت نتيجة ضغوط وتعذيب، ونفى أن يكون لديه خلاف أو عداوة تفسر ارتكابه الجريمة. وهذه تصريحات منسوبة إليه، مع ملاحظة أن المحكمة نفسها كانت قد انتهت في أسباب حكمها إلى عدم التعويل على الاعتراف بعد اطمئنانها إلى تأثره بالإكراه.

وفي 18 يوليو 2011، عاد محمد عبداللطيف للحديث عن القضية في حوار تلفزيوني مع الإعلامي الراحل وائل الإبراشي. وقال إن اعترافه بالجريمة لم يكن طوعيًا، وروى أنه تعرض لصعق كهربائي وتهديدات تتعلق بأفراد أسرته، كما ذكر أن المحققين أخبروه، وفق روايته، بأنه يمكن تقديمه باعتباره مختلًا إذا استجاب لما يطلبونه منه.

واستند في دفاعه عن نفسه خلال الحوار إلى السؤال نفسه الذي ظهر في مناقشات المحاكمة: هل يستطيع شخص واحد دخول ثلاثة منازل وقتل عشرة أشخاص وتنفيذ ما وقع بالجثامين خلال الإطار الزمني محل النقاش؟ واعتبر أن ذلك غير ممكن من وجهة نظره.

مذبحة بني مزار.. لماذا بُرئ المتهم الوحيد وماذا قال بعد البراءة؟

وتحدث كذلك عن رواية متداولة تزعم وقوف إسرائيليين وراء الجريمة، إلا أنه لم يقدم دليلًا يثبتها. ولهذا تظل هذه الجزئية مجرد تصور أو ادعاء ورد على لسانه، وليست نتيجة تحقيق أو حقيقة قضائية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها تفسيرًا مثبتًا للجريمة.

هل حسمت محكمة النقض القضية؟

لم تنته القضية بحكم جنايات المنيا؛ إذ طعنت النيابة العامة والمدعون بالحقوق المدنية على البراءة.

وفي 22 ديسمبر 2008، أيدت محكمة النقض حكم براءة محمد علي عبداللطيف، ورفضت الطعون المقدمة على الحكم، لتنتهي بذلك الملاحقة القضائية للمتهم الوحيد الذي أحيل للمحاكمة في القضية.

والدلالة القانونية هنا محددة: البراءة تعني أن الأدلة التي عُرضت على المحكمة لم تؤد إلى إدانة محمد عبداللطيف وفق المعايير اللازمة للحكم الجنائي. وهي لا تعني أن المحكمة حددت شخصًا آخر باعتباره مرتكب الجريمة، كما أنها لا تثبت صحة النظريات المختلفة التي ظهرت على مدار السنوات التالية.

وبذلك بقيت الفجوة الأساسية في الملف قائمة: عشرة ضحايا سقطوا في ثلاثة منازل، والمتهم الذي قدمته التحقيقات للمحاكمة حصل على حكم بالبراءة أيدته محكمة النقض، بينما لا يظهر في المسار القضائي المنشور حكم نهائي بإدانة شخص آخر بارتكاب المذبحة.

ما علاقة «ما لم يُحكَ عن بني مزار» بالقضية الحقيقية؟

عادت الجريمة إلى الاهتمام العام في سبتمبر 2026 بعد طرح حكاية «ما لم يُحكَ عن بني مزار» ضمن مسلسل «القصة الكاملة». وتؤكد الصفحة الرسمية للحكاية على منصة شاهد أنها عمل درامي مصري من ثلاث حلقات مستوحى من جريمة حقيقية، وتدور أحداثه حول التحقيق في الواقعة وسط عدة فرضيات درامية.

ولهذا يبقى الفصل ضروريًا بين ثلاثة مستويات مختلفة: ما نسبته جهات التحقيق إلى المتهم، وما انتهت إليه المحاكم بشأن كفاية الأدلة، وما قدمته الدراما أو الروايات اللاحقة من تصورات حول الجريمة. الثابت قضائيًا هو براءة محمد عبداللطيف، أما هوية مرتكب مذبحة بني مزار فلم تُحسم بحكم قضائي بإدانة شخص آخر في المسار المنشور للقضية.

تم نسخ الرابط