التصعيد في تيجراي يتزامن مع تحركات أمريكية بملف المياه

إثيوبيا بين صراع داخلي وأزمة سد النهضة.. الديهي يحذر من سيناريو التفكك وموسى يكشف رسائل مصر

أزمة إثيوبيا وسد
أزمة إثيوبيا وسد النهضة

تتزامن عودة المواجهات المسلحة بقوة إلى شمال إثيوبيا مع مرحلة جديدة من التحركات المرتبطة بأزمة سد النهضة، لتضع ملفين مختلفين أمام المشهد الإقليمي في توقيت واحد. وبينما حذر الإعلامي نشأت الديهي من أن اتساع الصراع الداخلي قد يتجاوز حدود إثيوبيا إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب، قال أحمد موسى إن لغة القاهرة بشأن السد أصبحت أكثر وضوحًا وإن مصر تبعث رسائلها إلى المجتمع الدولي. وتكشف أحدث الوقائع الميدانية أن القتال دخل بالفعل مرحلة أكثر خطورة، لكن سيناريو تفكك الدولة يظل توقعًا طرحه الديهي وليس نتيجة محسومة حتى الآن.

ماذا تغير على الأرض داخل إثيوبيا؟

لم تعد الأزمة الداخلية مجرد توتر سياسي بين الحكومة الفيدرالية وقيادات إقليم تيجراي. ففي 23 سبتمبر 2026 أعلنت قيادة تيجراي دخول قواتها ما وصفته بـ«حرب دفاعية»، بينما قالت الحكومة الإثيوبية إن قوات تيجراي بدأت هجومًا واسعًا، مع امتداد المواجهات إلى منطقتي أمهرة وعفر.

وجاء التصعيد بعد تشكيل سبع جماعات إثيوبية مسلحة تحالفًا جديدًا يضم قوى من تيجراي وأمهرة وأوروميا وعفر وبني شنقول-قمز ومناطق أخرى، وأعلن التحالف أن هدفه إزاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد. ومع ذلك، أشارت تقارير موثقة إلى استمرار خلافات سياسية وإقليمية بين بعض مكونات هذا التحالف، بما يمنع اعتبارها حتى الآن قوة موحدة ذات قيادة عسكرية واحدة.

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت تقارير بأن قوات تيجراي سيطرت على ثلاثة مطارات محلية، فيما تعطلت شبكات الإنترنت والهاتف في الإقليم يوم الجمعة 25 سبتمبر. وهذه التطورات تمثل تصعيدًا موثقًا، لكن لا توجد معطيات تسمح بالقول إن المجال الجوي الإثيوبي بالكامل أُغلق أو أن الحكومة فقدت السيطرة على الدولة.

الديهي يحذر من سيناريو «البلقنة»

وضع نشأت الديهي هذه التطورات داخل إطار أوسع يتعلق ببنية الدولة الإثيوبية وتعدد القوميات والأقاليم، معتبرًا أن الصراع الراهن لا يتعلق فقط بمن يحكم أديس أبابا، وإنما قد يتحول، وفق تقديره، إلى أزمة تمس شكل الدولة نفسها.

واستخدم الديهي تجربة يوغسلافيا السابقة عند عرض مخاوفه، وقال إنه يخشى انتقال إثيوبيا إلى سيناريو «البلقنة»، مؤكدًا في الوقت نفسه أن حديثه لا يمثل دعوة إلى تقسيم إثيوبيا أو انفصال أقاليمها، وإنما تحذير من تداعيات استمرار المواجهات بين القوى والمكونات المختلفة.

ولا يمثل سيناريو التفكك حقيقة قائمة أو توقعًا مؤكدًا؛ إذ لا تزال إثيوبيا دولة موحدة تحت حكومة فيدرالية، كما أن التحالف المعارض نفسه يضم قوى بينها خلافات تاريخية وإقليمية. وتكشف هذه النقطة الفارق بين التطور الميداني المثبت وبين السيناريو السياسي الذي طرحه الديهي استنادًا إلى قراءته للأزمة.

هل وصلت تداعيات الصراع إلى باب المندب؟

ربط الديهي بين موقع إثيوبيا واضطرابات القرن الأفريقي وبين أمن البحر الأحمر وباب المندب، محذرًا من أن اتساع الأزمة قد ينعكس على دول الجوار والمنطقة.

لكن هذا الربط يتعلق حتى الآن بمخاطر محتملة وليس بأثر مباشر وقع بالفعل على باب المندب. فإثيوبيا دولة حبيسة لا تطل مباشرة على البحر الأحمر، بينما تمثل جيبوتي وإريتريا والصومال أقرب حلقات الاتصال الجغرافي بينها وبين الممرات البحرية.

وتشير أحدث التقارير الدولية إلى أن تجدد الحرب في تيجراي يمكن أن يزيد اضطراب منطقة تعاني بالفعل من الحرب في السودان والتوتر حول الوصول إلى البحر الأحمر وتداعيات الصراعات الإقليمية، وهو ما يمنح تحذيرات امتداد الأزمة أساسًا جغرافيًا وسياسيًا، من دون أن يعني أن القتال الإثيوبي تسبب حتى الآن في اضطراب الملاحة بباب المندب.

إثيوبيا بين صراع داخلي وأزمة سد النهضة.. الديهي يحذر من سيناريو التفكك وموسى يكشف رسائل مصر 

سد النهضة.. ملف منفصل يتزامن مع الأزمة الداخلية

بالتوازي مع الصراع الداخلي، عاد سد النهضة إلى واجهة التصريحات المصرية والأمريكية. وقال أحمد موسى إن اللغة الدبلوماسية التي استخدمتها مصر على مدار سنوات بشأن الأزمة «تغيرت»، معتبرًا أن القاهرة أصبحت توجه رسائل أكثر وضوحًا إلى المجتمع الدولي بشأن أمنها المائي. وهذا توصيف من موسى لطبيعة الخطاب المصري وليس إعلانًا رسميًا عن تغيير السياسة المصرية نفسها.

فالموقف الرسمي المصري الأحدث ما زال يتمحور حول التعاون في نهر النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، والتمسك بالقانون الدولي وعدم الإضرار بمصالح دول الحوض. وقد جدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي هذه المبادئ خلال لقاءات نيويورك في سبتمبر 2026.

وبالتالي فإن ما يمكن إثباته هو ارتفاع حدة الرسائل العلنية المحيطة بالملف، بينما لا يوجد إعلان رسمي منشور يفيد بتخلي مصر عن مبادئها السابقة أو انتقالها إلى سياسة مختلفة جذريًا.

مسعد بولس يتحدث عن تحرك أمريكي لحل أزمة السد

تزامنت تصريحات موسى مع حديث مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، عن تحرك واشنطن في ملف سد النهضة.

وقال بولس في مقابلة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إن الإدارة الأمريكية تعمل من أجل حل سلمي للأزمة بين مصر وإثيوبيا، وإن الرئيس دونالد ترامب وعد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعمل على هذا الملف، مشيرًا إلى إدراك واشنطن لحساسية قضية السد باعتبارها مرتبطة بالأمن القومي المصري.

وسبق أن أعلنت الولايات المتحدة استعدادها للمساعدة في استئناف مسار التفاوض وتقديم دعم دبلوماسي وفني للوصول إلى تسوية، بينما يظل نجاح أي تحرك جديد مرتبطًا بمواقف مصر وإثيوبيا والسودان وبطبيعة الترتيبات التي يمكن الاتفاق عليها.

ما العلاقة بين الصراع الداخلي والسد؟

رغم تزامن التصعيد العسكري داخل إثيوبيا مع النشاط الدبلوماسي الجديد حول سد النهضة، لا توجد معلومات موثقة حتى الآن تثبت أن المواجهات في تيجراي وأمهرة وعفر أدت إلى تغيير في تشغيل السد أو التدفقات المائية أو الموقف التفاوضي الرسمي لأديس أبابا.

وتتمثل القيمة الأهم في الفصل بين الملفين: الصراع الداخلي أصبح أكثر خطورة بعد تجدد القتال وتعطل الاتصالات والسيطرة على مطارات، بينما أزمة سد النهضة تتحرك في مسار دبلوماسي منفصل تشهد فيه القاهرة خطابًا أكثر حدة بحسب توصيف أحمد موسى، بالتزامن مع حديث أمريكي عن محاولة الوصول إلى حل سلمي.

أما الربط بين استمرار الصراع ووصول إثيوبيا إلى التفكك أو انتقال آثاره المباشرة إلى باب المندب والأمن المائي المصري، فيظل ضمن السيناريوهات والتحذيرات السياسية ما لم تنتقل التطورات الميدانية إلى مرحلة جديدة تثبت ذلك.

تم نسخ الرابط