بيانات السوق تكشف الفارق بين وفرة الخام وأزمة التكرير
ترامب: تعافي تدفقات النفط عبر هرمز والمصافي أصبحت العامل الرئيسي وراء ارتفاع أسعار البنزين
ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأزمة طاقات التكرير أكثر من اضطرابات مضيق هرمز، بعدما قال إن كميات كبيرة من النفط الخام عادت إلى التدفق يوميًا، بينما تتعرض مصافٍ روسية لأضرار جراء الهجمات الأوكرانية وتتراجع طاقات تكرير داخل الولايات المتحدة، خصوصًا في كاليفورنيا. لكن بيانات السوق تضع هذا التقييم في سياق أوسع؛ فتدفقات الخام تعافت بقوة بالفعل، من دون عودة كاملة بالضرورة إلى طبيعتها عبر هرمز، فيما لا تزال تكاليف النقل والتأمين ونقص المنتجات المكررة تضغط على سوق الوقود.
ماذا قال ترامب عن هرمز والمصافي؟
قال ترامب في منشور عبر منصة «تروث سوشال» إن مضيق هرمز لم يعد، وفق تقييمه، العامل الرئيسي وراء ارتفاع أسعار البنزين، معتبرًا أن المشكلة انتقلت إلى «المصافي».
وربط الرئيس الأمريكي هذا التقييم باستمرار الهجمات الأوكرانية على منشآت التكرير الروسية، إلى جانب إغلاق مصافٍ أمريكية في ولايات يقودها ديمقراطيون، وخص ولاية كاليفورنيا بالذكر.
وتحمل هذه التصريحات تحولًا في تفسير ترامب لأسباب ارتفاع أسعار الوقود؛ إذ يضع هذه المرة قدرة السوق على تحويل الخام إلى بنزين وديزل في مقدمة العوامل، بدل التركيز على كمية النفط الخام التي تستطيع عبور الممرات البحرية وحدها.
هل عادت تدفقات النفط عبر هرمز إلى طبيعتها؟
بيانات تتبع الشحن تدعم وجود تعافٍ قوي في إمدادات الخام من الشرق الأوسط، لكنها تحتاج إلى فصل بين إجمالي صادرات المنطقة وبين الكميات التي تمر فعليًا عبر مضيق هرمز.
فقد ارتفع متوسط تدفقات الخام عبر المضيق إلى نحو 14.2 مليون برميل يوميًا على أساس سبعة أيام حتى 26 سبتمبر، بما يعادل قرابة 80% من مستويات ما قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، تجاوزت صادرات الشرق الأوسط مستويات ما قبل الحرب في عدد من أيام نهاية سبتمبر مع استخدام مسارات وشبكات نقل مختلفة.
وهذا يعني أن وصف السوق بأنه يشهد «تعافيًا» في التدفقات تدعمه البيانات، بينما لا يعني ذلك بالضرورة أن حركة هرمز نفسها عادت بصورة كاملة ومستقرة إلى أوضاع ما قبل الأزمة.
كما بقي خام برنت أعلى من 100 دولار للبرميل في تعاملات 5 أكتوبر رغم زيادة الإمدادات، في إشارة إلى استمرار ضغوط أخرى لا تتعلق فقط بعدد البراميل المتاحة، وفي مقدمتها الشحن والتأمين والتكرير والمخاطر الجيوسياسية.
أسعار البنزين تتراجع أسبوعيًا لكنها أعلى كثيرًا من العام الماضي
بلغ متوسط سعر جالون البنزين العادي في الولايات المتحدة 4.3653 دولار في 5 أكتوبر، مقابل 4.4768 دولار قبل أسبوع، بما يعني تراجعًا بنحو 11 سنتًا خلال سبعة أيام.
لكن المقارنة السنوية تعطي صورة مختلفة؛ إذ كان متوسط السعر يبلغ 3.1339 دولار للجالون في الفترة نفسها من العام الماضي، أي أن السعر الحالي أعلى بنحو 1.23 دولار للجالون رغم الانخفاض الأسبوعي الأخير.
ويظهر ذلك أن تعافي إمدادات الخام لا ينتقل فورًا وبالنسبة نفسها إلى محطات الوقود، لأن السعر النهائي يتأثر أيضًا بتكاليف التكرير والنقل والتوزيع والمخزونات وهوامش التشغيل.

لماذا ركز ترامب على مصافي كاليفورنيا؟
اختيار كاليفورنيا في تصريحات ترامب يأتي في وقت تواجه فيه الولاية بالفعل تراجعًا في طاقات التكرير.
وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن مصفاة تابعة لشركة Phillips 66 في منطقة لوس أنجلوس أوقفت عمليات التكرير خلال 2025، بينما توقفت مصفاة Valero في Benicia عن عمليات التكرير وأزيلت طاقتها من تقديرات الطاقة الشهرية اعتبارًا من مارس 2026.
وتكتسب هذه التطورات وزنًا أكبر في كاليفورنيا بسبب محدودية خطوط نقل المنتجات البترولية التي تربط الساحل الغربي بمراكز التكرير الكبيرة في ساحل الخليج الأمريكي، ما يجعل تعويض أي نقص محلي في الطاقة الإنتاجية أكثر صعوبة مقارنة بمناطق أخرى.
وتنعكس خصوصية السوق بالفعل على الأسعار؛ إذ سجل متوسط البنزين العادي في كاليفورنيا 6.3916 دولار للجالون في 5 أكتوبر، مقابل 4.3653 دولار كمتوسط للولايات المتحدة، أي بفارق يتجاوز دولارين للجالون.
لكن وجود إغلاقات فعلية في كاليفورنيا لا يكفي وحده لإثبات أن سياسات الولايات التي يقودها الديمقراطيون هي السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار البنزين على المستوى الوطني، وهي نقطة تظل جزءًا من التقييم السياسي الذي طرحه ترامب.
أزمة التكرير تتجاوز الولايات المتحدة
الضغط على المصافي لا يقتصر على السوق الأمريكية؛ فاضطرابات منشآت التكرير الروسية ونقص الطاقة العالمية لإنتاج الوقود المكرر ظهرا كعاملين إضافيين في السوق الدولية.
وقدرت تصريحات لمسؤولين كبار في قطاع الطاقة العالمي وجود نقص يقترب من 6 ملايين برميل يوميًا في المنتجات المكررة، مع عدم قدرة طاقات التكرير الحالية على تعويض كامل الخسائر الناتجة عن اضطرابات الشرق الأوسط ومناطق أخرى.
وتزداد أهمية هذا العامل في سوق الديزل تحديدًا، حيث يؤدي خروج مصافٍ أو انخفاض إنتاجها إلى نقص الوقود النهائي حتى إذا كانت كميات النفط الخام نفسها متاحة.
ومن هنا يظهر الفارق بين مرحلتين مختلفتين في سوق الطاقة: الأولى هي وصول برميل الخام إلى السوق، والثانية قدرة المصافي على تحويله إلى بنزين وديزل ومنتجات أخرى ثم نقلها إلى مناطق الاستهلاك.
لماذا لا يعني تعافي الخام انخفاض البنزين فورًا؟
عودة المزيد من الخام عبر هرمز تخفف جانبًا من أزمة الإمدادات، لكنها لا تلغي تلقائيًا الاختناقات التي نشأت خلال الأشهر الماضية.
فأسعار الشحن والتأمين لا تزال مرتفعة، كما أصبحت بعض الرحلات النفطية أطول وأكثر تعقيدًا، بالتزامن مع نقص في طاقات التكرير العالمية ومخزونات تعرضت للسحب خلال فترة الأزمة.
وتشير بيانات السوق إلى أن تكلفة نقل الخام من الشرق الأوسط إلى آسيا قفزت بصورة حادة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما يضيف تكلفة جديدة إلى كل برميل حتى بعد تحسن الكميات المتاحة.
وبذلك يتقاطع جزء من تقييم ترامب بشأن أهمية المصافي مع واقع ضغوط التكرير، لكن البيانات لا تجعل هرمز عاملًا منتهيًا بالكامل؛ فحركة الملاحة ما زالت تواجه مخاطر، وتكاليف الشحن والتأمين لا تزال مرتفعة، بينما لم تعد كل التدفقات عبر المضيق بصورة مستقرة إلى مستوياتها السابقة.









