استراتيجية استثمار جديدة حتى 2030 تربط تدفقات العملة بالإنتاج والتصدير
مدبولي يكشف ملامح الاقتصاد بعد انتهاء برنامج صندوق النقد.. استثمار أجنبي وصناعة وصادرات لتوليد الدولار
تتضح ملامح المرحلة الاقتصادية التي تستعد لها الحكومة بعد انتهاء برنامج مصر الحالي مع صندوق النقد الدولي، مع اجتماع مسارين خلال يومين متتاليين: تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي بشأن الانتقال إلى برنامج اقتصادي وطني يعتمد بدرجة أكبر على الإنتاج والتصدير والاستثمار، واستعراض الحكومة الاثنين 5 أكتوبر 2026 استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر للفترة 2027–2030. والجديد هنا أن الحديث عن مرحلة ما بعد الصندوق لم يعد قائمًا فقط على توجهات عامة؛ إذ أصبحت هناك استراتيجية منفصلة لجذب رؤوس الأموال وتوجيهها إلى قطاعات ذات أولوية، بالتوازي مع استراتيجية صناعية تستهدف رفع الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار بحلول 2030.
ولا يعني ذلك أن برنامج صندوق النقد انتهى بالفعل؛ فالبرنامج الحالي ما زال قائمًا، بعد استكمال المراجعة السابعة في يوليو، بينما يمتد اتفاق تسهيل الصندوق الممدد رسميًا حتى 15 ديسمبر 2026 وتتبقى المراجعة الثامنة والأخيرة. أما ما طرحه مدبولي فهو تصور الحكومة للمرحلة التالية، مع تأكيده أن الدولة لا تستهدف الدخول في برنامج جديد مماثل بعد استكمال الاتفاق الحالي.
ما الذي تغير في خطة ما بعد صندوق النقد؟
كانت الحكومة قد بدأت بالفعل إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد، وهو ملف سبق أن دخل مرحلة الصياغة بمشاركة الحكومة والبنك المركزي، لكن التطور الأحدث يتمثل في ظهور أدوات تنفيذية موازية تحدد كيف يمكن زيادة دور القطاع الخاص وجذب استثمارات تنتج وتصدر بدل الاعتماد على التدفقات المالية وحدها.
فخلال اجتماع الاثنين، استعرض مدبولي ملامح استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر 2027–2030، والتي تتضمن تشخيص بيئة الاستثمار، وتحليل اتجاهات الاستثمار العالمية، وتحديد القطاعات الأولى بالترويج، ووضع مستهدفات لزيادة استثمارات القطاع الخاص وتدفقات الاستثمار الأجنبي حتى نهاية العقد. كما تشمل الاستراتيجية ميكنة الخدمات المقدمة للمستثمرين بهدف اختصار الإجراءات والوقت.
وربط رئيس الوزراء جذب الاستثمار الأجنبي بتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة القدرات الإنتاجية والتصديرية، وهو ما يضع الاستثمار في هذه الرؤية باعتباره وسيلة لإضافة إنتاج وقدرة تصديرية، وليس مجرد دخول تدفقات دولارية مؤقتة.
من استقرار الدولار إلى اقتصاد يولد النقد الأجنبي
في حديثه الأخير، قدم مدبولي تصورًا مختلفًا للدور الذي يفترض أن يلعبه سعر الصرف، معتبرًا أن الهدف ليس الدفاع عن سعر ثابت للعملة، وإنما بناء اقتصاد قادر على توليد موارد النقد الأجنبي من أنشطة متعددة تسمح لسوق الصرف بالعمل بصورة أكثر مرونة.
وتظهر أحدث بيانات البنك المركزي تحسنًا في بعض مصادر النقد الأجنبي؛ إذ بلغ صافي الاحتياطيات الدولية 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، فيما سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، بزيادة 29.6% عن العام السابق.
لكن وجود احتياطي وتحويلات مرتفعة لا يلغي الاختلالات الخارجية؛ فقد سجل حساب المعاملات الجارية عجزًا بنحو 14.6 مليار دولار خلال الفترة من يوليو إلى مارس من السنة المالية 2025/2026. وتفسر هذه الفجوة لماذا تركز الخطة الحكومية الجديدة على مصادر يمكن زيادتها بصورة مرتبطة بالإنتاج والاستثمار والتصدير، بدل الاعتماد على مصدر واحد للعملة الأجنبية.
الصناعة والصادرات في قلب النموذج الجديد
تضع الحكومة الصناعة في موقع رئيسي داخل هذا التحول، وهو اتجاه يتجاوز تصريحات مدبولي الأخيرة إلى استراتيجية صناعية معلنة للفترة 2026–2030 تستهدف زيادة الصادرات غير البترولية إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2030.
وتستند الاستراتيجية إلى زيادة التصنيع المحلي، وتطوير الموردين، وتنمية الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ورفع القيمة المضافة، مع ربط الصناعة المصرية بدرجة أكبر بسلاسل الإنتاج العالمية.
وفي المقابلة الأخيرة، قال مدبولي إن الاقتصاد حقق نموًا قدره 5.1% في العام المالي 2025/2026 مقابل 4.4% في العام السابق، مع استهداف 5.4% في العام المالي الجاري. وأكد أن الأهم بالنسبة للحكومة ليس رقم النمو فقط، وإنما القطاعات التي تقوده، وفي مقدمتها الصناعة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والزراعة.
ويعني الربط بين استراتيجية الاستثمار الجديدة والاستراتيجية الصناعية أن الحكومة تستهدف مسارًا يبدأ بجذب رأس المال إلى قطاعات محددة، ثم تحويل هذه الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية وصادرات وخدمات قادرة على إضافة موارد نقد أجنبي بصورة مستمرة.
ماذا سيحدث قبل انتهاء البرنامج الحالي؟
المرحلة المقبلة لا تبدأ في ديسمبر فقط؛ إذ توجد عدة محطات قبل انتهاء اتفاق صندوق النقد. فقد استكمل المجلس التنفيذي للصندوق المراجعة السابعة في 30 يوليو 2026، بما أتاح نحو 1.5 مليار دولار من تسهيل الصندوق الممدد ونحو 272 مليون دولار من تسهيل الصلابة والاستدامة، بينما تتبقى المراجعة الثامنة والأخيرة قبل انتهاء الاتفاق الممتد في 15 ديسمبر.
وفي المقابل، تتحرك الحكومة لإعداد الإطار الاقتصادي التالي بالتوازي مع استكمال البرنامج الحالي، وليس بعد انتهائه فقط. ومن المقرر أن يخصص منتدى مصر 2026، الذي يعقد من 19 إلى 24 أكتوبر، مساحة للملف الاقتصادي تشمل الاستثمار المنتج والصناعة التنافسية وموارد النقد وإدارة الدين، إلى جانب ملامح البرنامج الاقتصادي المصري حتى 2030.
كما وجه مدبولي خلال التحضيرات بأن تناقش جلسة الاستثمار والصناعة التحديات القائمة بصورة واضحة، وأن تنتهي إلى توصيات وإجراءات عملية، مع التركيز على تعميق المنتج المحلي ورفع تنافسية الصناعة وزيادة الصادرات وربط التدريب المهني باحتياجات المشروعات والأسواق.
ما المعلن وما لم يُعلن حتى الآن؟
المعلن حتى الآن يحدد الاتجاه والأدوات الرئيسية: برنامج اقتصادي وطني بعد الاتفاق الحالي، استراتيجية للاستثمار الأجنبي من 2027 إلى 2030، تمكين أوسع للقطاع الخاص، توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، ومستهدف لصادرات غير بترولية يصل إلى 100 مليار دولار بحلول 2030.
لكن الحكومة لم تنشر حتى الآن النسخة النهائية الكاملة للبرنامج الاقتصادي الوطني بما تتضمنه من جميع المؤشرات الرقمية والجداول الزمنية والسياسات التنفيذية، كما أن بيان استراتيجية الاستثمار الأجنبي الجديدة تحدث عن وجود مستهدفات لزيادة التدفقات حتى 2030 دون نشر قيم جميع هذه المستهدفات في البيان المتاح. لذلك يظل الفصل ضروريًا بين الاتجاه الذي جرى إعلانه، وبين التفاصيل التي لم تُعتمد أو تُنشر نهائيًا بعد.
كما أن الانتقال إلى برنامج وطني لا يعني انتهاء العلاقة بين مصر وصندوق النقد أو المؤسسات المالية الدولية؛ فتصريحات مدبولي تتعلق بعدم استهداف برنامج تمويلي جديد مماثل للبرنامج الحالي، بينما يظل التعاون المؤسسي والاقتصادي مع المؤسسات الدولية ملفًا منفصلًا.
وتكشف المستجدات الأخيرة أن جوهر خطة «توليد الدولار» يقوم على تغيير تركيبة مصادر العملة الأجنبية أكثر من التركيز على سعر العملة نفسه: استثمار يتجه إلى إنتاج، وصناعة تستهدف التصدير، وخدمات وتكنولوجيا وسياحة وتحويلات توفر قنوات متعددة، مع بقاء التحدي في تحويل هذه المستهدفات إلى تدفقات منتظمة تكفي احتياجات الاقتصاد وتحد من تأثير الصدمات الخارجية.









