مقال رأي كتبه عماد ياسر عن الأقدار المكتوبة ومسؤولية السلامة ورفض الشماتة بالموت

من صليب الإكوادور إلى رافعة الحرم.. الحوادث لا تنتقص من قدسية المكان

سقوط صليب الإكوادور
سقوط صليب الإكوادور ورافعة الحرم

ليس سقوط صليب على رأس كاهن داخل كنيسة دليلًا على غياب الحماية الإلهية، كما أن سقوط رافعة عملاقة على المصلين داخل المسجد الحرام لا ينتقص من قدسية بيت الله الحرام. هذه الحقيقة تستحق التوقف أمامها بعد وفاة القس باتريسيو ألفريدو سانشيز موليناري، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، أثناء إقامة القداس بمدينة غواياكيل في الإكوادور، في حادث وثقه البث المباشر للصلاة. فالسخرية من وفاة إنسان لأنه كان يصلي أمام صليب، أو التساؤل باستهزاء عن سبب عدم حماية الله له، تعكس خلطًا بين الإيمان بالقدر وقوانين الطبيعة. والأهم أن الأعمار المكتوبة لا تعني إهمال الصيانة أو التغاضي عن المسؤولية البشرية عن سلامة دور العبادة.

سقوط صليب الإكوادور.. مأساة داخل الكنيسة

داخل كنيسة سيدة المعونة الدائمة بمدينة غواياكيل، كان الأب باتريسيو ألفريدو سانشيز موليناري يقود القداس مساء السبت 17 أكتوبر 2026، بينما يتابع المصلون الصلوات التي كانت تُنقل مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وخلال إحدى فقرات الصلاة، انفصل صليب خشبي ضخم عن موضع تثبيته خلف المذبح وسقط على الكاهن، في مشهد صادم دفع الحاضرين إلى محاولة مساعدته والمطالبة باستدعاء سيارة إسعاف.

وأصدرت أبرشية غواياكيل الكاثوليكية بيانًا أكد وفاة الأب باتريسيو، الذي كان ينتمي إلى رهبنة الفادي الأقدس، وقدمت التعازي إلى أسرته وأصدقائه والجماعة الرهبانية التي خدم ضمنها.

وحمل البيان توقيع الكاردينال لويس جيراردو كابريرا هيريرا، رئيس أساقفة غواياكيل، دون أن يوضح ما إذا كانت الوفاة قد حدثت فور سقوط الصليب أو بعد محاولة إسعاف الكاهن.

كما لم يحدد البيان السبب الفني لسقوط الصليب، ولم تتوافر حتى 18 أكتوبر نتائج معلنة لفحص هندسي يوضح حالة التثبيت أو وجود خلل سابق.

وهذا التفصيل مهم للغاية؛ لأن مشاهدة الحادث لا تعني معرفة أسبابه. فالفيديو يوثق سقوط الصليب، لكنه لا يثبت وحده وجود إهمال أو يحدد المسؤولية عما جرى.

غير أن المأساة تطرح سؤالًا أعمق من تفاصيل الحادث نفسه: لماذا يربط بعض الناس بين موت إنسان داخل مكان مقدس وبين صحة معتقده أو مقدار الحماية الإلهية التي يستحقها؟

حادث رافعة الحرم المكي.. مأساة مشابهة قبل 11 عامًا

للإجابة، من الضروري استحضار حادث آخر وقع داخل واحد من أقدس الأماكن الدينية في العالم، وهو المسجد الحرام بمكة المكرمة.

ففي يوم الجمعة 11 سبتمبر 2015، سقطت رافعة إنشائية عملاقة كانت تُستخدم في مشروع توسعة المسجد الحرام، خلال أحوال جوية شهدت رياحًا شديدة وأمطارًا، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين المصلين والزوار.

وبحسب الوقائع التي استندت إليها الأحكام القضائية السعودية اللاحقة، أسفر الحادث عن وفاة 110 أشخاص وإصابة 209 آخرين، بينما كانت البيانات الأولية الصادرة عقب الكارثة قد تضمنت أعدادًا مختلفة مع استمرار حصر الضحايا.

وكان هؤلاء الأشخاص موجودين داخل الحرم المكي، الذي يمثل أقدس بقاع الأرض لدى المسلمين، وبعضهم جاء من بلدان بعيدة لأداء العبادة ومناسك الحج.

ورغم فداحة الحادث، لم تتغير مكانة المسجد الحرام في قلوب المسلمين، ولم يصبح سقوط الرافعة حجة على انتقاص قداسته أو التشكيك في إيمان الضحايا.

فالرافعة كانت آلة إنشائية تخضع لقوانين الهندسة والجاذبية وتأثير الرياح، بصرف النظر عن قدسية المكان الذي تعمل فيه.

والمنطق نفسه ينطبق على الصليب الخشبي داخل الكنيسة؛ فهو رمز ديني له مكانته الروحية لدى المؤمنين، لكنه في صورته المادية جسم ثقيل يحتاج إلى تثبيت آمن وصيانة وفحص دوري.

والفارق بين الواقعتين ليس في قيمة أرواح الضحايا، وإنما في طبيعة المعدات التي سقطت، وحجم الخسائر، وما ثبت لاحقًا بشأن أسباب كل حادث.

التحقيقات في رافعة الحرم تكشف أهمية مسؤولية السلامة

تقدم قضية رافعة الحرم مثالًا واضحًا على أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يمنع التحقيق في الأسباب الفنية أو محاسبة المسؤولين عن الإهمال.

ففي سبتمبر 2015، أوضح تقرير لجنة التحقيق السعودية أن الرافعة تعرضت لرياح قوية بينما كانت في وضعية غير سليمة، وأن وضع ذراعها خالف تعليمات التشغيل التي تستوجب إنزالها عند عدم الاستخدام أو عند هبوب الرياح.

وأشار التقرير كذلك إلى قصور في تطبيق إجراءات السلامة ومتابعة الأحوال الجوية والتحذيرات المرتبطة بها، وأُحيلت القضية إلى الجهات القضائية المختصة.

وبعد سنوات من التقاضي، أفادت التغطية القضائية السعودية في أغسطس 2023 بأن المحكمة العليا أيدت أحكامًا نهائية بإدانة مجموعة بن لادن السعودية بمخالفات قواعد السلامة والإهمال والتقصير، وتغريمها 20 مليون ريال، إلى جانب إدانة ثمانية من المديرين والمهندسين والمسؤولين المشمولين بالقضية.

وهنا يظهر الدرس الأكثر أهمية: فالحادث الذي وقع داخل المسجد الحرام لم يُترك دون تحقيق بحجة أن ما حدث قدر مكتوب، بل خضعت أسبابه الفنية والإدارية للفحص والمساءلة القضائية.

ولم يكن الإقرار بالقدر سببًا لإلغاء مسؤولية الإنسان عن اتخاذ احتياطات السلامة، أو مبررًا للتهاون في حماية المصلين.

أما حادث الإكوادور، فلا تزال أسبابه الفنية غير محسومة في المعلومات المعلنة، ولذلك لا يصح اتهام أي جهة بالتقصير قبل ظهور نتائج موثقة.

لكن المؤكد أن الصلبان والتماثيل والأجسام المعلقة داخل الكنائس، مثلها مثل الرافعات والهياكل وأجهزة الإضاءة داخل المساجد، تحتاج إلى إجراءات سلامة تتناسب مع أوزانها وطرق تثبيتها.

لماذا لم يحمِ الله القس من سقوط الصليب؟

يستند السؤال الساخر عن وفاة القس إلى افتراض غير صحيح، وهو أن وجود الإنسان داخل مكان للعبادة ينبغي أن يمنحه حصانة مادية كاملة ضد كل حادث أو مرض أو خطر.

وبهذا المنطق، يفترض ألا يمرض كاهن داخل كنيسة، وألا يتعرض إمام لحادث داخل مسجد، وألا يموت حاج أثناء أداء مناسكه.

لكن الواقع الإنساني لا يسير على هذه الصورة، ولا تختفي قوانين الطبيعة بمجرد وجود الإنسان داخل مكان مقدس.

ومن المفيد هنا الرجوع إلى تعليم واضح ورد في الإنجيل نفسه، وتحديدًا في الأصحاح الثالث عشر من إنجيل لوقا.

فقد تحدث السيد المسيح عن ثمانية عشر شخصًا سقط عليهم برج في سلوام وقتلهم، وطرح سؤالًا بشأن ما إذا كانوا أكثر ذنبًا من غيرهم من سكان أورشليم.

وجاءت الإجابة في الآية الخامسة: «كلا! أقول لكم».

والمغزى المباشر في هذا السياق هو رفض اعتبار وقوع الكارثة دليلًا على أن ضحاياها كانوا أكثر خطيئة من الآخرين.

بل إن الإشارة إلى برج سلوام تحمل تشابهًا لافتًا مع واقعة الإكوادور؛ ففي الحالتين سقط جسم إنشائي على أشخاص وأدى إلى الموت، دون أن يسمح ذلك باستنتاج حكم على حالتهم الروحية أو علاقتهم بالله.

ومن الجانب الإسلامي، يؤكد القرآن الكريم في سورة آل عمران، الآية 145: «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا».

وتتفق هذه النظرة إلى الأجل المكتوب، رغم الاختلافات العقائدية بين المسيحية والإسلام، مع حقيقة أن الإنسان لا يستطيع الجزم بموعد موته أو الحكم على المصير الروحي لغيره من مجرد وقوع حادث.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: لماذا لم يحمِ الله هذا الكاهن؟

بل: ما الأسباب التي أدت إلى سقوط الصليب، وهل كانت هناك وسيلة لمنع الحادث أو تقليل مخاطره؟

من الأعمار المكتوبة إلى الصيانة الدورية

الإيمان بأن لكل إنسان أجلًا لا يعني أن جميع الحوادث غير قابلة للمنع، أو أن كل تقصير يمكن تبريره بعبارة «هذا قدره».

فهناك فارق بين التسليم الإيماني بالموت باعتباره جزءًا من الحياة البشرية، وبين المسؤولية العملية عن سلامة المباني والمعدات والأماكن التي يتجمع فيها الناس.

ومن واجب القائمين على دور العبادة، مهما اختلفت دياناتها، إخضاع المنشآت للفحوص الهندسية المناسبة، والتأكد من سلامة العناصر الثقيلة المثبتة في الجدران أو الأسقف.

وتشمل هذه المسؤولية مراجعة نقاط تثبيت الصلبان والتماثيل والثريات والمراوح وأجهزة الإضاءة، وفحص علامات التشقق أو التآكل أو الضعف في العناصر الحاملة.

كما تمتد إلى مراجعة الأسقف ومخارج الطوارئ والتوصيلات الكهربائية، والاستعانة بالمتخصصين عند تركيب المعدات أو إجراء أعمال الترميم والصيانة.

ولا تقتصر أهمية هذه الإجراءات على الكنائس والمساجد، بل تشمل المدارس والمستشفيات والقاعات العامة والمباني التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الأشخاص.

وقد لا تمنع الصيانة كل حادث محتمل، لكنها تستطيع الحد من المخاطر التي يمكن اكتشافها ومعالجتها قبل وقوع الكوارث.

ولهذا، فإن القول إن الأعمار مكتوبة لا يتعارض مع المطالبة بالصيانة الدورية؛ فالأخذ بالأسباب واجب، والتقصير في حماية الأرواح لا يكتسب مشروعيته بمجرد الاستناد إلى القدر.

الشماتة في وفاة إنسان ليست انتصارًا لأي عقيدة

تبقى المشكلة الأخلاقية الأكثر إيلامًا هي محاولة تحويل موت القس في الإكوادور إلى مناسبة للسخرية من المسيحية أو الاستهزاء بالصليب.

فما الذي يمكن أن يثبته شخص يشمت في كاهن مات أثناء الصلاة؟

هل أصبح الموت حجة دينية؟ وهل تتوقف قيمة الإنسان على المكان الذي توفي فيه أو الطريقة التي رحل بها؟

من حق كل إنسان أن يتمسك بعقيدته وأن يناقش الاختلافات الدينية، لكن تحويل وفاة الآخرين إلى مادة للتهكم لا يقدم دليلًا على صحة أي معتقد.

ولو أن أحدًا سخر من ضحايا رافعة الحرم المكي، وربط موتهم بقدسية المسجد أو بعقيدتهم، لكان ذلك تصرفًا قاسيًا ومرفوضًا.

والعدل الأخلاقي يقتضي تطبيق المعيار نفسه على الجميع؛ فلا تُرفض الشماتة في موت المسلم ثم تُقبل في موت المسيحي، ولا يُدافع عن كرامة ضحايا مسجد بينما يُهان ضحايا كنيسة.

فالموت لا يفرق بين الأديان، والحزن لا يحتاج إلى اتفاق عقائدي، وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تكون موضع مساومة.

إن أسرة القس باتريسيو فقدت إنسانًا عزيزًا عليها، كما فقدت عشرات الأسر أحباءها في حادث رافعة الحرم، وفي الحالتين يستحق المتوفون الرحمة، ويستحق ذووهم المواساة والاحترام.

قدسية المكان لا تلغي قوانين الطبيعة

في نهاية هذه المقارنة، أرى أن الخطأ الأكبر هو التعامل مع أماكن العبادة وكأن قدسيتها الدينية تجعلها خارج نطاق القوانين الفيزيائية التي تحكم العالم.

فالكنيسة تظل كنيسة لدى المؤمنين بها حتى لو تعرض سقفها للانهيار، والمسجد يظل مسجدًا حتى لو أصاب مبناه حريق أو حادث إنشائي.

ولا تتحدد قدسية المكان لدى أتباع الدين بقدرة جدرانه على مقاومة السقوط، وإنما بمكانته الدينية والروحية في معتقدهم.

كما أن موت إنسان داخل مكان للعبادة لا يثبت أنه كان محرومًا من رحمة الله، ولا يمنح الآخرين حق إصدار أحكام على مصيره.

والأهم أن المقارنة بين سقوط صليب الإكوادور ورافعة الحرم لا تهدف إلى المساواة بين ملابسات الحادثين أو نتائجهما، وإنما إلى تأكيد مبدأ واحد ينبغي ألا يختلف عليه أصحاب الديانات: حماية الأرواح واحترام أحزان الناس مسؤولية إنسانية مشتركة.

فلتُفحص أسباب سقوط الصليب في الإكوادور، كما خضعت أسباب سقوط رافعة الحرم للتحقيق والمحاسبة، ولتُتخذ إجراءات السلامة اللازمة في كل دار عبادة.

أما استغلال الموت للسخرية من إيمان الآخرين، فلا يغير حقيقة الحادث، ولا ينقذ حياة، ولا يخفف حزنًا.

الأعمار مكتوبة في الإيمان بالله، لكن صيانة المباني وحماية الأرواح واجب لا يسقط بالتوكل، ولا يجوز تحويل المأساة إلى شماتة.

فالرد الإنساني الصحيح على سقوط صليب أو رافعة ليس سؤالًا ساخرًا عن سبب عدم تدخل الله، وإنما سؤال مسؤول عن أسباب الحادث، وكيف يمكن حماية المصلين من تكراره.

تم نسخ الرابط