مقارنات بين طبعات الكتب تكشف اختلافات لم يفسرها البيان الرسمي
حذف صور نساء وتغطية تمثال فرعوني بمناهج سوريا.. والوزارة ترد
أثارت تعديلات طالت مناهج سوريا المدرسية خلافًا بين وزارة التربية والتعليم ومنتقدين نشروا مقارنات موثقة لنسخ الكتب القديمة والحديثة، بعدما ظهرت تغييرات شملت حذف صور نساء، وإضافة الحجاب إلى رسوم تعليمية، وتغطية الجزء العلوي من تمثال فرعوني بملابس، إلى جانب حذف أعمال فنية ودروس عن المواطنة والمشاركة الديمقراطية. وردت الوزارة في 26 أكتوبر 2026 مؤكدة أنها لم تعتمد تعديلات جديدة منذ يناير 2025، وأن المراجعة استهدفت إزالة رموز النظام السابق. غير أن مقارنة إحدى الصور التي أرفقتها الوزارة ببيانها مع طبعة مدرسية أقدم أظهرت أنها تمثل نسخة معدلة بالفعل، ما أبقى أسباب بعض التغييرات دون تفسير رسمي محدد.
الصور المحذوفة والتمثال الفرعوني في المناهج السورية
بدأت تفاصيل الأزمة تتكشف بعد نشر الصحفي السوري محمد السلوم مقارنات بين طبعات قديمة وحديثة من الكتب المدرسية، كشفت تغييرات في النصوص والصور المستخدمة لتوضيح الدروس، قبل أن تؤكد مراجعة مستقلة للنسخ الرقمية والورقية المعتمدة وجود عدد من هذه الاختلافات.
ومن أبرز الأمثلة صورة تمثال الكاتب المصري القديم في كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، إذ ظهر التمثال في النسخة الأقدم مكشوف الجزء العلوي من الجسم، بينما أُضيف إليه في الطبعة المعدلة لباس مخطط يغطي صدره.
وامتدت التغييرات إلى الأعمال الفنية والمنحوتات التاريخية، حيث اختفت صورة لوحة الموناليزا من كتاب التاريخ للصف السابع، وحُذفت صور تماثيل أثرية سورية، بينها تمثال المغنية أورنينا من مدينة ماري وتمثال عازفة الدف في أوغاريت.
وفي كتاب الدراسات الاجتماعية للصف الثالث، أظهرت المقارنة بين طبعتَي 2021-2022 و2025-2026 حذف صورة تمثال أورنينا، مع الإبقاء على صور أخرى لقطع أثرية في الصفحة نفسها، وهو ما يميز التغيير في الصور عن حذف الدرس بالكامل.
كما شملت التعديلات بعض الرسومات المتعلقة بالحياة اليومية والمهن، إذ أُضيف الحجاب إلى صور شخصيات نسائية، واستُبدلت صور فتيات بصور فتيان في بعض المواضع، بينما حُذفت رسوم أخرى كانت موجودة في الطبعات السابقة.
وأظهرت المقارنات أيضًا اختلافًا في ظهور شخصية طبيبة داخل أحد كتب الصف الأول، بعدما ظهرت بالحجاب في إحدى الصور، بينما بقيت دون حجاب في موضع آخر، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن اتساق المعايير المستخدمة في مراجعة الرسوم.
صورة أرفقتها وزارة التربية السورية تكشف اختلافًا بين طبعتين
من أبرز التفاصيل التي ظهرت بعد صدور بيان وزارة التربية السورية أن إحدى الصور التي استخدمتها الوزارة لإظهار التنوع الاجتماعي في المناهج كانت نفسها ضمن الرسومات التي خضعت للتعديل مقارنة بطبعة أقدم.
وتتعلق الصورة بكتاب التربية الإسلامية للصف الثالث، حيث ظهرت أم تمشط شعر ابنتها دون حجاب في الصفحة 58 من طبعة العام الدراسي 2014-2015، بينما ظهرت الشخصية نفسها بالحجاب في الصفحة 56 من طبعة 2025-2026.
وأرفقت الوزارة في بيانها الصورة بصيغتها المعدلة، باعتبارها مثالًا على تنوع الصور الموجودة في الكتب، دون أن تتناول الاختلاف بينها وبين النسخة السابقة أو توضح السبب التربوي لإضافة الحجاب إلى الرسم.
كما أظهرت مقارنة أخرى إضافة الحجاب إلى شخصية طبيبة في درس يتعلق باللقاح بكتاب الدراسات الاجتماعية للصف الأول، بين طبعتَي 2021-2022 و2025-2026، مع استمرار النص التعليمي وظهور الأطفال داخل المشهد.
وتوضح هذه الأمثلة أن وجود صور لنساء محجبات وغير محجبات في المناهج الحالية لا ينفي بالضرورة إجراء تعديلات على رسوم بعينها، كما أن اختلاف الطبعات لا يثبت وحده تاريخ اعتماد كل تعديل أو الجهة التي نفذته.
رد وزارة التربية السورية على أزمة المناهج
أكدت وزارة التربية والتعليم السورية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الرسمية سانا يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026، أن المناهج التعليمية خضعت لتعديل واحد فقط منذ سقوط نظام بشار الأسد، أُعلن عنه ونُشرت تفاصيله خلال يناير 2025.
وأوضحت الوزارة أن التعديل شمل إزالة رموز النظام السابق ومضامينه الأيديولوجية، وتصحيح الصور والمحتوى المرتبط بها، خاصة في مناهج الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية بعد توحيدها.
وشددت على أن خطط تطوير التعليم تستهدف المحافظة على التنوع المجتمعي والثقافي، وتعزيز قيم المواطنة والانتماء واحترام الآخر، معتبرة أن بعض المعلومات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي غير دقيقة.
ودعت الوزارة إلى الاعتماد على البيانات الرسمية عند تناول التعديلات، وأرفقت نماذج مصورة قالت إنها تظهر التنوع الموجود داخل الكتب المدرسية السورية.
لكن البيان لم يقدم تفسيرًا تفصيليًا لإضافة ملابس إلى صورة التمثال المصري القديم، أو حذف بعض المنحوتات والأعمال الفنية، كما لم يحدد المقارنات التي تعتبرها الوزارة غير صحيحة أو يوضح صلة كل تغيير بالأهداف المعلنة لمراجعة المناهج.
حذف دروس المواطنة والإدارة المحلية من الكتب المدرسية
لم يقتصر الجدل على الصور والرسوم، إذ أظهرت المقارنات التي خضعت للتحقق اختلافات في المحتوى التعليمي لكتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس الابتدائي، الذي تعود إحدى طبعاته الأصلية إلى العام الدراسي 2012-2013.
وشملت الاختلافات حذف موضوعات متعلقة بالنظام السابق، إلى جانب دروس تتناول الإدارة المحلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية.
وأثار حذف هذه الموضوعات نقاشًا بشأن طبيعة المعارف المدنية التي تقدمها المناهج للطلاب، خصوصًا أن بيان وزارة التربية أكد في الوقت نفسه استهداف ترسيخ قيم المواطنة وثقافة القانون واحترام الآخر.
ولا يعني حذف درس من إحدى الطبعات بالضرورة إلغاء الموضوع من جميع المقررات أو توقف تدريسه نهائيًا، لكن تحديد أثر هذه التغييرات يتطلب توضيح ما إذا كانت المضامين المحذوفة قد نُقلت إلى دروس أخرى أو استُبدلت بمواد تعليمية جديدة.
ولم يتضمن بيان الوزارة تفصيلًا يوضح مصير هذه الدروس أو أسباب حذفها بصورة مستقلة عن التعديلات المتعلقة بالنظام السابق.
هل أُجريت تعديلات جديدة على مناهج سوريا في 2026؟
يكشف التسلسل الزمني للقرارات الرسمية اختلافًا بين موعد اعتماد التعديلات وموعد تداول الكتب التي تتضمنها.
ففي يناير 2025، أعلنت وزارة التربية السورية إجراء مراجعة للمناهج بعد سقوط النظام السابق، شملت حذف رموزه وتعديل بعض المضامين والصور.
وفي 17 أغسطس 2026، أعلنت الوزارة اعتماد مناهج موحدة لجميع المحافظات خلال العام الدراسي 2026-2027، بالاستناد إلى مناهج العام السابق المعروفة باسم «منهاج دمشق».
ثم أكد وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو، خلال جلسة أمام مجلس الشعب في 14 سبتمبر 2026، إزالة الصور والرموز المرتبطة بالنظام السابق من آخر طبعتين للكتب المدرسية، مشيرًا إلى ارتفاع عدد الكتب المطبوعة من 28 مليونًا إلى 41 مليون كتاب.
وبذلك فإن توزيع كتب تتضمن اختلافات عن الطبعات القديمة خلال العام الدراسي الحالي لا يثبت صدور قرار جديد بتعديل المناهج في أكتوبر 2026، لكنه يؤكد أن الطلاب يستخدمون نسخًا تحتوي بالفعل على تغييرات مقارنة بإصدارات سابقة.
مستقبل المناهج السورية بعد الجدل الأخير
بالتوازي مع أزمة الصور والمحتوى، أكدت وزارة التربية إنجاز الإطار الوطني العام للمناهج ووضع معايير لتطوير التعليم، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة تأليف كتب مدرسية جديدة.
وتشمل الأهداف المعلنة تنمية التفكير النقدي والتحليل وحل المشكلات، إلى جانب تعزيز المهارات الرقمية والحياتية والإبداعية، وترسيخ ثقافة القانون والقيم الإنسانية.
وتختلف هذه المرحلة عن قرار توحيد المناهج المعمول به خلال العام الدراسي 2026-2027، إذ إن اعتماد «منهاج دمشق» في جميع المحافظات لا يعني انتهاء إعداد الكتب الجديدة أو بدء تطبيقها بالكامل.
ولم تعلن الوزارة في بيانها الأخير جدولًا نهائيًا لتطبيق جميع المناهج المطورة، أو قرارات بسحب الكتب التي أثارت الانتقادات وإعادة طباعة الصور محل الخلاف.
وتبقى المسائل غير المحسومة مرتبطة بالمعايير التي استندت إليها التعديلات البصرية، وأسباب حذف بعض الدروس المدنية والأعمال الفنية، ومدى إمكانية إعادة النظر فيها خلال تأليف المناهج الجديدة.
وتوضح الوقائع الموثقة أن الأزمة تتجاوز تداول صور معدلة على مواقع التواصل، إذ تتعلق بمحتوى تعليمي موجود في طبعات مدرسية فعلية، بينما يظل موقف الوزارة منصبًا على نفي صدور تعديل جديد بعد يناير 2025، دون تقديم تفسير منفصل لجميع الاختلافات التي أظهرتها المقارنات.









