تقرير دولي يرجح التثبيت ويحذر من ضغوط العملة والتضخم

البنك المركزي بين تثبيت الفائدة ورفعها بعد تجاوز الدولار 56 جنيهًا

البنك المركزي بين
البنك المركزي بين تثبيت الفائدة ورفعها بعد تجاوز الدولار 56

يواجه سعر الفائدة في البنك المركزي المصري اختبارًا جديدًا قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية المرتقب يوم الخميس 29 أكتوبر، بعدما تجاوز الدولار مستوى 56 جنيهًا، بالتزامن مع تحذيرات مصرفية من انتقال ضغوط سعر الصرف إلى التضخم. ورغم ترجيح غالبية المؤسسات المالية استمرار تثبيت الفائدة، طرح تقرير بحثي صادر عن دويتشه بنك سيناريو رفعها إذا تصاعدت الضغوط على الجنيه وتزايد خروج استثمارات المحافظ الأجنبية. ورفع البنك الألماني توقعاته للتضخم بنهاية العام إلى 15.7% بدلًا من 14.7%، ما يضيف عاملًا جديدًا إلى حسابات اللجنة، التي أبقت الفائدة دون تغيير في اجتماعاتها الخمسة السابقة.

سعر الفائدة في البنك المركزي المصري قبل اجتماع الخميس

تستقر أسعار العائد الأساسية للبنك المركزي عند 19% للإيداع لليلة واحدة، و20% للإقراض لليلة واحدة، و19.50% لسعر العملية الرئيسية، وهي المستويات المعمول بها منذ قرار خفض الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير الماضي.

وكانت لجنة السياسة النقدية قد أبقت الأسعار دون تغيير خلال اجتماعات أبريل ومايو ويوليو وأغسطس وسبتمبر، مستندة إلى تقييم معدلات التضخم وتوقعاتها والمخاطر المحيطة بالاقتصاد.

ويأتي اجتماع 29 أكتوبر باعتباره الاجتماع السابع للجنة خلال العام، على أن تعقد اجتماعها الأخير يوم 17 ديسمبر، وفق الجدول المنشور على الموقع الرسمي للبنك المركزي.

ولم يصدر أي قرار جديد بشأن أسعار الفائدة للاجتماع المرتقب حتى الآن، فيما تظل توقعات المؤسسات المالية والخبراء تقديرات تحليلية لا تعبر بالضرورة عن موقف اللجنة.

وتشير استطلاعات حديثة شملت بنوك استثمار وخبراء اقتصاديين إلى أن التثبيت يظل الخيار الأرجح، بسبب ارتفاع تكلفة التمويل والحاجة إلى تقييم آثار تحركات الدولار قبل اتخاذ قرار جديد.

لكن اختلاف الظروف عن الاجتماع السابق، خاصة بعد تجاوز الدولار 56 جنيهًا وارتفاع تكلفة الطاقة عالميًا، جعل سيناريو العودة إلى رفع الفائدة حاضرًا ضمن التقديرات المطروحة.

دويتشه بنك يحدد مخاطر قد تدفع المركزي لرفع الفائدة

رجح دويتشه بنك، في مذكرة بحثية بشأن السياسة النقدية المصرية، إبقاء سعر عائد الإيداع عند 19% خلال الاجتماع المقبل، لكنه اعتبر استمرار تراجع الجنيه عاملًا قد يدفع اللجنة إلى مراجعة موقفها.

وأوضح التقرير أن ارتفاع الدولار وزيادة احتمالات خروج استثمارات المحافظ الأجنبية قد يضعفان جاذبية العائد الحقيقي على أدوات الدين المصرية، وهو ما قد يعزز مبررات رفع الفائدة إذا ازدادت الضغوط قبل الاجتماع.

وتستند هذه المخاوف إلى حجم استثمارات الأجانب في أذون الخزانة، التي تجاوزت 25 مليار دولار بنهاية يونيو، وفق تقديرات المذكرة البحثية.

واستشهد التقرير بانخفاض حيازات المستثمرين الأجانب من أذون الخزانة بنحو 13 إلى 14 مليار دولار خلال مارس الماضي، باعتباره مثالًا سابقًا على سرعة تغير التدفقات في فترات اضطراب الأسواق.

ولا تمثل هذه الأرقام إعلانًا عن خروج المبلغ نفسه خلال أكتوبر، إذ تتعلق المقارنة بحركة تاريخية استخدمها البنك لتقييم المخاطر المحتملة، وليس بحصيلة التدفقات الأخيرة.

وأشار التقرير أيضًا إلى أن استمرار الضغوط الخارجية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية قد يزيدان حساسية سوق الصرف لتحركات المستثمرين، رغم وجود احتياطيات دولية توفر قدرًا من القدرة على مواجهة التقلبات.

وبلغ صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر، وفق البيانات الرسمية المعلنة، لكن ارتفاع الاحتياطي لا يلغي احتمال استمرار تقلب سعر الصرف.

الدولار يتجاوز 56 جنيهًا ويرفع مخاطر التضخم

بلغ متوسط سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري في ختام التعاملات 56.2126 جنيه للشراء و56.3511 جنيه للبيع، مقارنة بنحو 55.7582 جنيه للشراء و55.8964 جنيه للبيع في الجلسة السابقة.

وبذلك سجل سعر شراء الدولار زيادة بلغت 45.44 قرشًا، بينما ارتفع سعر البيع بنحو 45.47 قرشًا، وفق مقارنة بين إغلاقين متتاليين من الجهة الرسمية نفسها.

وتظهر المقارنة مع آخر اجتماع للجنة السياسة النقدية تغيرًا أكبر؛ إذ كان سعر بيع الدولار يدور حول 51.85 جنيه عند قرار سبتمبر، قبل وصوله إلى 56.35 جنيه في أحدث إغلاق، بزيادة تقارب 4.50 جنيه.

ويؤدي ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة السلع والمستلزمات المستوردة عند تحويل قيمتها إلى الجنيه، لكن انتقال هذه الزيادة إلى الأسعار المحلية يتوقف على المخزون وتكاليف التشغيل وقدرة الشركات على امتصاص المصروفات الإضافية.

وتكتسب هذه النقطة أهمية لأن بيانات التضخم المنشورة عن سبتمبر لا تعكس بالكامل تحركات الدولار اللاحقة خلال أكتوبر، وبالتالي لا تكفي وحدها للحكم على التأثير المستقبلي لسعر الصرف.

وأظهرت البيانات الرسمية انخفاض التضخم السنوي العام في المدن إلى 13.9% خلال سبتمبر مقابل 14.5% في أغسطس، وتراجع التضخم الأساسي إلى 14.1% بدلًا من 14.9%.

وفي المقابل، ارتفع التضخم الشهري العام إلى 1.3% مقارنة بنحو 0.1% في أغسطس، ما يعكس استمرار الزيادات الشهرية في الأسعار رغم انخفاض المعدل السنوي.

توقعات جديدة للتضخم حتى نهاية 2027

تتمثل أبرز الإضافات في تقرير دويتشه بنك في تعديل توقعاته لمسار التضخم، إذ رفع تقديره لنهاية 2026 إلى 15.7% بدلًا من 14.7%، بزيادة نقطة مئوية كاملة عن توقعه السابق.

كما رفع تقديره للتضخم بنهاية 2027 إلى 12% مقابل 10.9% في توقعاته السابقة، معتبرًا أن آثار ضعف الجنيه قد تستمر لفترة أطول من المتوقع.

ويرى البنك أن تثبيت أسعار الوقود محليًا يخفف الضغوط على المدى القصير، لكنه قد لا يعوض بالكامل أثر ارتفاع تكلفة الواردات المرتبطة بسعر الصرف والطاقة العالمية.

وكانت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية قد قررت الإبقاء على أسعار الوقود دون تغيير بعد مراجعة تطورات سعر خام برنت وسعر الصرف خلال الربع السابق، وفق بيان وزارة البترول والثروة المعدنية.

لكن التقرير المصرفي افترض ضمن سيناريوهاته احتمال تأجيل تعديل أسعار الوقود بنسبة تتراوح بين 10 و15% إلى الربع الأول من 2027، وهو افتراض بحثي لا يمثل قرارًا حكوميًا بزيادة الأسعار أو تحديد موعد لتنفيذها.

ويعني ذلك أن توقعات التضخم الواردة في التقرير مشروطة بمسار العملة والطاقة، وقد تتغير إذا اختلفت هذه العوامل عن الافتراضات التي بُنيت عليها.

التثبيت أم الرفع.. ما العوامل التي ترجح كل سيناريو؟

يدعم سيناريو التثبيت استمرار مستوى مرتفع نسبيًا للفائدة مقارنة بالتضخم السنوي المسجل، إلى جانب حرص البنك المركزي على تجنب زيادة أعباء الاقتراض على الشركات والأفراد والموازنة العامة.

كما يرجح عدد من المحللين أن البنك المركزي قد يفضل انتظار بيانات إضافية توضح مدى انتقال ارتفاع الدولار إلى الأسعار، بدلًا من التحرك اعتمادًا على تقلبات قصيرة الأجل.

وفي الاتجاه المقابل، ترتبط مبررات الرفع باحتمال استمرار خروج استثمارات المحافظ، وزيادة الطلب على الدولار، وارتفاع توقعات التضخم بما يقلص هامش العائد الحقيقي على الأصول المقومة بالجنيه.

ولا يعني ارتفاع الدولار وحده أن رفع الفائدة أصبح ضرورة حتمية، مثلما لا يعني انخفاض التضخم السنوي أن خفضها أصبح مناسبًا في الظروف الحالية.

وكان البنك المركزي قد أكد في بيان اجتماعه السابق أن المستوى القائم من التشديد النقدي يوفر قدرًا مناسبًا لمواجهة المخاطر المحيطة بالتضخم، مع استمرار تقييم التطورات الاقتصادية محليًا وعالميًا.

أما دويتشه بنك، فيتوقع استمرار تثبيت الفائدة حتى نهاية 2026، قبل احتمال استئناف الخفض التدريجي خلال النصف الأول من 2027، بشرط تحسن ظروف سعر الصرف والطاقة والتضخم.

وتبقى هذه الرؤية قابلة للتعديل إذا استمرت الضغوط على العملة أو ارتفعت الأسعار بمعدلات أكبر من التوقعات.

تأثير القرار المرتقب على الشهادات والقروض

في حالة تثبيت سعر الفائدة في البنك المركزي المصري، ستبقى أسعار العائد الأساسية عند مستوياتها الحالية، دون أن يمنع ذلك البنوك من تعديل تسعير بعض منتجاتها وفق سياساتها التجارية.

أما إذا قررت لجنة السياسة النقدية رفع الفائدة، فقد ترتفع تكلفة القروض ذات العائد المتغير المرتبط بمؤشرات تسعير البنك المركزي، بحسب شروط كل عقد.

وفي المقابل، قد تستفيد بعض المنتجات الادخارية متغيرة العائد من أي زيادة في أسعار الفائدة المرجعية، بينما لا تتغير عوائد الشهادات القائمة ذات العائد الثابت تلقائيًا.

وتختلف آثار القرار بين المودعين والمقترضين وأصحاب الشركات، لأن تكلفة التمويل والعائد الفعلي على المدخرات يتحددان وفق طبيعة المنتج المصرفي وشروطه وتاريخ إعادة تسعيره.

ويبقى القرار الرسمي المرتقب مرهونًا بتقييم لجنة السياسة النقدية لتطورات التضخم وسعر الصرف وتدفقات الاستثمارات وأسعار الطاقة، بينما تشير التقديرات الحالية إلى استمرار التثبيت باعتباره الاحتمال الأقرب، مع بقاء الرفع احتمالًا قائمًا إذا تصاعدت الضغوط الاقتصادية.

تم نسخ الرابط