استمرار الضغوط العالمية يرفع تكلفة الوقود دون قرار رسمي

أسعار البنزين والسولار في مصر بين التثبيت والزيادة مع ارتفاع النفط والدولار وتوقعات لجنة التسعير

أسعار البنزين والسولار
أسعار البنزين والسولار في مصر

لا يوجد حتى الآن قرار رسمي جديد بتعديل أسعار البنزين والسولار في مصر، بينما تتابع لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية ارتفاع خام برنت إلى قرابة 88 دولارًا للبرميل وصعود الدولار فوق 51 جنيهًا، وهما عاملان يرفعان تكلفة استيراد النفط والمنتجات البترولية ويتجاوزان تقديرات الموازنة العامة. ويرى خبراء بقطاع الطاقة واقتصاديون أن تثبيت الأسعار مؤقتًا يظل السيناريو الأقرب لحين اتضاح اتجاه الأسواق، إلا أن استمرار خام برنت أعلى مستوى 90 دولارًا لفترة قد يدفع اللجنة إلى إعادة تقييم أسعار المحروقات، مع مراعاة الأعباء المالية والآثار الاجتماعية لأي تحريك محتمل.

هل ترتفع أسعار البنزين والسولار في مصر؟

لا تعني الزيادة الحالية في أسعار النفط وسعر الدولار صدور قرار تلقائي برفع أسعار الوقود محليًا، إذ يرتبط تحديد أسعار المنتجات البترولية بمراجعة مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والتشغيلية، ثم اتخاذ القرار المناسب من الجهات المختصة.

وتشمل العوامل الأساسية التي تتابعها لجنة التسعير التلقائي متوسط سعر خام برنت، وسعر صرف الجنيه أمام الدولار، وتكلفة نقل وتداول المنتجات البترولية، إلى جانب الفارق بين تكلفة توفير الوقود وسعر بيعه داخل السوق المحلية.

وبحسب تقديرات خبراء الطاقة، فإن السيناريو الأقرب في الوقت الحالي هو الإبقاء على الأسعار دون تغيير بصورة مؤقتة، خاصة في ظل التقلبات السريعة التي تشهدها الأسواق العالمية وصعوبة تحديد اتجاه مستقر لأسعار النفط.

ومع ذلك، قد يتغير هذا السيناريو إذا تجاوز خام برنت مستوى 90 دولارًا للبرميل واستمر عند هذه المستويات، بما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين التكلفة الفعلية والأسعار المحلية.

النفط والدولار يتجاوزان تقديرات الموازنة

قدرت الحكومة متوسط سعر خام برنت في موازنة العام المالي 2026-2027 بنحو 75 دولارًا للبرميل، بينما تتحرك الأسعار العالمية حاليًا قرب مستوى 88 دولارًا، بفارق يبلغ نحو 13 دولارًا عن التقدير المعتمد.

كما بُنيت الموازنة العامة على متوسط لسعر الدولار يبلغ 47 جنيهًا، في حين اعتمدت الهيئة المصرية العامة للبترول سعرًا تحوطيًا عند 49 جنيهًا للدولار.

وفي المقابل، تجاوز سعر الدولار في البنوك مستوى 51 جنيهًا، وهو ما يزيد تكلفة شراء النفط الخام والغاز والمنتجات البترولية من الخارج، لأن جانبًا كبيرًا من هذه المدفوعات يُسدد بالعملة الأجنبية.

ويؤدي اجتماع ارتفاع النفط مع صعود الدولار إلى زيادة مزدوجة في التكلفة التي تتحملها الدولة لتوفير احتياجات السوق المحلية من البنزين والسولار والبوتاجاز والغاز المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء.

الدولة تتحمل فارق تكلفة الوقود

تتحمل الموازنة العامة وقطاع البترول حاليًا فارقًا بين الافتراضات التي جرى إعداد الموازنة على أساسها والأسعار الفعلية للنفط وسعر الصرف في السوق.

ويعني ارتفاع خام برنت فوق المستوى المقدر زيادة قيمة الواردات حتى في حالة ثبات الكميات المستوردة، بينما يؤدي صعود الدولار إلى ارتفاع التكلفة بالجنيه المصري عند سداد الفاتورة نفسها.

وتزداد الأعباء المالية أيضًا مع تراجع الإنتاج المحلي من بعض مصادر الطاقة وارتفاع الاعتماد على استيراد الغاز المسال والمنتجات البترولية لتغطية الطلب المحلي.

ورغم هذه الضغوط، يظل قرار تعديل الأسعار مرتبطًا بتقدير الدولة للتكلفة الاقتصادية والاجتماعية، وليس بحركة أسعار النفط خلال يوم واحد أو عدة جلسات متقلبة.

تثبيت أسعار الوقود السيناريو الأقرب حاليًا

يرى المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، أن تثبيت أسعار الوقود خلال المرحلة الحالية يبقى الاحتمال الأقرب، لحين استقرار أسواق الطاقة واتضاح مسار التوترات الجيوسياسية.

ويرتبط التذبذب الحالي باحتمالات تأثر حركة الملاحة وإمدادات النفط والمنتجات البترولية من منطقة الخليج، وهي عوامل قد تكون مؤقتة إذا نجحت التحركات الدولية في تهدئة التوترات.

وقد شهد خام برنت تحركات حادة خلال الفترة الماضية، بعدما صعد إلى مستويات مرتفعة أثناء ذروة التصعيد، ثم تراجع إلى نحو 70.40 دولارًا مع بداية يوليو، قبل أن يعاود الارتفاع ويستقر قرب 88 دولارًا.

ويجعل هذا التذبذب اتخاذ قرار سريع بشأن أسعار الوقود أكثر تعقيدًا، لأن التحريك بناء على ارتفاع مؤقت قد لا يعكس الاتجاه الفعلي للأسواق خلال الأشهر المقبلة.

متى يمكن إعادة النظر في أسعار المحروقات؟

قد تعيد لجنة التسعير التلقائي تقييم أسعار المحروقات إذا استمر خام برنت أعلى مستوى 90 دولارًا للبرميل، مع بقاء سعر الدولار عند مستوياته المرتفعة أو تسجيله زيادات إضافية.

ولا يرتبط الأمر بتجاوز النفط هذا المستوى بصورة مؤقتة، بل باستقراره لفترة تؤكد وجود اتجاه صعودي يرفع متوسط تكلفة توفير المنتجات البترولية.

وقد يدفع استمرار الضغوط إلى عقد اجتماع للجنة لمراجعة البيانات وتحديد مدى قدرة الموازنة وقطاع البترول على تحمل الفارق، قبل اتخاذ قرار بالتثبيت أو التحريك.

وحتى حدوث ذلك، لا يمكن اعتبار توقعات الخبراء قرارًا رسميًا، إذ لا تُعدل الأسعار إلا بعد صدور إعلان واضح من الجهات الحكومية المختصة.

عودة لجنة التسعير التلقائي خلال العام المالي الجديد

أشار رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في مطلع يوليو إلى عودة عمل لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية اعتبارًا من الربع الأول من العام المالي 2026-2027.

ويهدف عمل اللجنة إلى مراجعة أسعار الوقود في ضوء المتغيرات العالمية والمحلية، بما يشمل أسعار النفط وسعر الصرف وتكلفة إنتاج واستيراد ونقل المنتجات.

ولا يعني انعقاد اللجنة بالضرورة رفع الأسعار، إذ يمكن أن تنتهي المراجعة إلى التثبيت إذا رأت أن التقلبات مؤقتة أو أن الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية تستدعي الإبقاء على المستويات الحالية.

كما يمكن أن تتجه إلى تعديل الأسعار عند استمرار ارتفاع التكلفة واتساع الفارق الذي تتحمله الدولة، وفق البيانات التي تكون متاحة وقت المراجعة.

أسعار المنتجات البترولية لا ترتبط ببرنت فقط

لا يمثل سعر خام برنت المؤشر الوحيد لتحديد تكلفة البنزين والسولار داخل مصر، لأن البلاد تستورد كذلك منتجات بترولية جاهزة تتأثر بأسعار التكرير والشحن والتأمين.

وقد ترتفع أسعار البنزين أو السولار عالميًا بمعدل أكبر من الزيادة المسجلة في سعر النفط الخام، خاصة عند تراجع طاقات التكرير أو تعطل بعض المنشآت في الدول المنتجة.

وتؤدي المخاطر المرتبطة بالملاحة في الممرات البحرية إلى زيادة تكاليف الشحن والتأمين، ما ينعكس على السعر النهائي للمنتجات المستوردة حتى مع عدم تجاوز خام برنت مستويات قياسية.

لذلك تعتمد عملية التقييم على التكلفة الكاملة لتوفير الوقود داخل السوق المحلية، وليس على مقارنة سعر برميل النفط فقط بالسعر الوارد في الموازنة.

فاتورة الطاقة تضغط على الموازنة

قدر الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، فاتورة الطاقة في مصر بنحو 42 مليار دولار سنويًا، وتشمل واردات الغاز المسال والنفط الخام والمنتجات البترولية، إلى جانب مستحقات الشركاء الأجانب وواردات الغاز عبر خطوط الأنابيب.

وتعكس هذه القيمة حجم الاحتياجات الدولارية لقطاع الطاقة، ومدى تأثر التكلفة بأي تحرك في سعر الصرف أو أسعار النفط والغاز العالمية.

كما تواجه وزارة البترول فجوة بين تكلفة الوقود المورد إلى محطات الكهرباء والمدفوعات التي تتلقاها مقابل هذه الإمدادات، ما يضيف أعباء تمويلية على القطاع.

ويجعل ذلك قرار أسعار الوقود مرتبطًا بمعادلة متعددة الأطراف تشمل قدرة الدولة على تمويل الواردات، وحجم الدعم الضمني، وتأثير أي زيادة على تكاليف النقل والسلع والخدمات.

الاعتبارات الاجتماعية تحكم توقيت القرار

يمتد تأثير أسعار البنزين والسولار إلى قطاعات واسعة، لأن السولار يدخل في تشغيل وسائل النقل الجماعي وسيارات نقل البضائع والآلات الزراعية والمعدات المستخدمة في الأنشطة الإنتاجية.

وقد تؤدي زيادة الأسعار إلى ارتفاع تكاليف نقل السلع والركاب، بما ينعكس بصورة غير مباشرة على أسعار المنتجات والخدمات ومعدلات التضخم.

ولهذا توازن الدولة بين تكلفة استمرار تحمل الفارق المالي وبين تأثير تحريك الأسعار على المواطنين والأنشطة الاقتصادية.

ويبقى تثبيت الأسعار احتمالًا قائمًا بقوة ما دامت الأسواق العالمية غير مستقرة، بينما تزداد احتمالات المراجعة إذا تحولت الارتفاعات الحالية إلى مستويات مستدامة يصعب استيعابها داخل الموازنة.

          
تم نسخ الرابط