بكين بين الشراكة الاقتصادية وملف المياه

عباس شراقي: زيارة الرئيس الصيني قد تفتح باب وساطة بكين في أزمة سد النهضة

سد النهضة وزيارة
سد النهضة وزيارة الرئيس الصيني إلى مصر وفرص وساطة بكين

تعود أزمة سد النهضة إلى واجهة النقاش مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، بعدما طرح الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، احتمال دخول الصين على خط الوساطة بين مصر وإثيوبيا. ويرى شراقي أن بكين تمتلك ما يؤهلها للعب دور مؤثر، بحكم علاقاتها القوية مع القاهرة وأديس أبابا، وحضورها الاقتصادي الكبير في أفريقيا، وخبرتها في مشروعات السدود والطاقة. وتزامن هذا الطرح مع زيارة رسمية للرئيس الصيني إلى مصر، ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ضمن محطة دبلوماسية مرتبطة بتعزيز الشراكة والقضايا الإقليمية والدولية المشتركة.

الصين كوسيط محتمل في أزمة سد النهضة

يرى الدكتور عباس شراقي أن الصين من الدول القليلة التي يمكن أن تمتلك قدرة حقيقية على التأثير في ملف سد النهضة، ليس لأنها طرف مباشر في الأزمة، ولكن لأنها تملك شبكة مصالح وعلاقات واسعة مع أطرافها.

وتقوم هذه الرؤية على أن بكين تربطها علاقات قوية بمصر، وفي الوقت نفسه لديها نفوذ اقتصادي واستثماري واضح داخل إثيوبيا، ما يجعلها طرفًا يمكن أن تستمع إليه أكثر من جهة داخل الأزمة.

وبحسب شراقي، فإن أي وساطة ناجحة تحتاج إلى طرف يتمتع بعلاقات متوازنة مع الأطراف المعنية، وهي نقطة يراها متوافرة لدى الصين بدرجة أكبر من أطراف دولية أخرى.

استثمارات ومصالح صينية داخل إثيوبيا

استند شراقي في تقديره إلى الحضور الصيني الواسع داخل القارة الأفريقية، ولا سيما في إثيوبيا، حيث ترتبط بكين بمشروعات واستثمارات في قطاعات متعددة، من بينها الطاقة والسدود والبنية التحتية.

وأشار إلى أن الصين سبق أن شاركت في إنشاء سد على نهر عطبرة، أحد روافد نهر النيل، عام 2009، كما كان لها حضور في الأعمال المرتبطة بسد النهضة، خصوصًا في مجال الكهرباء وشبكات نقل الطاقة.

وأوضح أن الشركات الصينية دخلت بقوة في أعمال الكهرباء المرتبطة بالسد بعد استبعاد شركة «ميتيك» الإثيوبية من بعض الأعمال، على خلفية اتهامات بالفساد، لتتولى شركات صينية جانبًا من الملفات الفنية المرتبطة بالتشغيل ونقل الكهرباء.

زيارة الرئيس الصيني تمنح الملف بعدًا سياسيًا

تأتي تصريحات شراقي بالتزامن مع الزيارة الرسمية التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، حيث استقبله الرئيس عبد الفتاح السيسي في مطار القاهرة الدولي، في مشهد رسمي عكس اهتمام القاهرة وبكين بإبراز عمق العلاقات بين البلدين.

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لأنها تأتي بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، وفق ما أورده الرئيس الصيني في كلمته عقب وصوله القاهرة، وما تناولته البيانات الرسمية المصرية.

كما أن الزيارة لا تقتصر على العلاقات الثنائية فقط، إذ أعلنت الصين قبلها أن الرئيس شي سيبحث مع الرئيس السيسي العلاقات بين البلدين والقضايا الدولية والإقليمية ذات الاهتمام المشترك، وهو ما يفتح مساحة سياسية لطرح ملفات حساسة مثل المياه والاستقرار الإقليمي.

زيارة الرئيس الصيني

موقف مصري يربط النيل بالتعاون

أعاد مقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، المنشور بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني، التأكيد على تقدير مصر لموقف الصين الذي يعترف بالأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر باعتباره شريان الحياة الرئيسي لها.

وتضمن المقال إشارة إلى أهمية الامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب، وتعزيز التعاون بحسن نية لتحقيق المنفعة المتبادلة، وهي صياغة تتقاطع مباشرة مع جوهر الخلاف المصري الإثيوبي حول سد النهضة وآليات التشغيل والملء.

وتمنح هذه الإشارة ملف المياه مساحة ضمن سياق العلاقات المصرية الصينية، حتى إذا لم تتحول الزيارة نفسها إلى إعلان مباشر عن وساطة رسمية في أزمة السد.

لماذا لم تتحرك الصين علنًا؟

رغم امتلاك الصين مقومات الوساطة، يرى شراقي أن بكين لا تميل عادة إلى التحرك الصاخب أو تقديم نفسها كطرف مباشر في الأزمات الحساسة.

ويفسر ذلك بأن السياسة الصينية تعتمد بدرجة كبيرة على الهدوء، وحماية المصالح، وتجنب الدخول في مواجهات دبلوماسية معلنة قد تؤثر على علاقاتها المتوازنة مع أطراف متعددة.

وبهذا المعنى، فإن غياب إعلان صيني مباشر عن الوساطة لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام، لكنه يعكس طريقة مختلفة في إدارة الملفات الدولية، تقوم على الاتصالات الهادئة بدلًا من الضغوط الإعلامية.

علاقات مصر والصين تدعم فرص التحرك

العلاقات المصرية الصينية شهدت توسعًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة، سياسيًا واقتصاديًا وتنمويًا، وهو ما يجعل زيارة الرئيس الصيني للقاهرة محطة مهمة في مسار الشراكة بين البلدين.

وتشير رويترز إلى أن مصر عملت خلال السنوات الماضية على تعميق علاقاتها مع بكين، ضمن توجه أوسع لتنويع الشراكات الدولية، كما شهدت الاستثمارات الصينية في مصر نموًا في قطاعات مثل التصنيع والموانئ والطاقة الخضراء والتكنولوجيا.

ويرى الدكتور أحمد قنديل، نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن زيارة الرئيس الصيني تمثل فرصة لتعزيز الشراكة بين القاهرة وبكين، والانتقال بها إلى مرحلة أكثر تطورًا، مع دعم التنسيق بشأن القضايا الإقليمية واحترام القانون الدولي.

شروط نجاح أي وساطة صينية

لا يكفي امتلاك الصين علاقات جيدة مع مصر وإثيوبيا حتى تنجح الوساطة، لأن ملف سد النهضة شديد التعقيد ويتطلب قبولًا واضحًا من الأطراف المعنية.

وبحسب طرح شراقي، فإن البداية العملية قد تكون في توجيه دعوة رسمية لبكين للمشاركة في جهود تقريب وجهات النظر، لأن الصين لن تفرض نفسها غالبًا كوسيط مباشر دون طلب أو قبول من الأطراف.

كما أن أي دور صيني محتمل يحتاج إلى تحديد نطاق الوساطة: هل سيكون سياسيًا لتقريب المواقف، أم فنيًا في قضايا التشغيل والتنسيق، أم اقتصاديًا عبر تقديم حوافز للتعاون بين الأطراف؟ هذه الأسئلة ستحدد مدى قدرة بكين على تحويل نفوذها إلى نتيجة ملموسة.

سد النهضة بين الحقوق والتنمية

تتمسك مصر والسودان بضرورة التوصل إلى اتفاق يضمن عدم الإضرار بحصتهما وأمنهما المائي، بينما تؤكد إثيوبيا حقها في التنمية واستغلال مواردها المائية لتوليد الكهرباء.

وتشير خلفية الأزمة إلى أن سد النهضة تبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب، ويهدف إلى توليد 5150 ميجاوات من الكهرباء، وهي أرقام تجعل الملف مرتبطًا بالتنمية الإثيوبية من جهة، وبالأمن المائي لدولتي المصب من جهة أخرى.

ومن هنا تبدو أي وساطة محتملة مطالبة بالتعامل مع معادلة دقيقة، لا تقتصر على النوايا السياسية، بل تشمل قواعد تشغيل واضحة وتبادل بيانات وضمانات تمنع الإضرار بدولتي المصب.

هل تفتح الزيارة بابًا جديدًا؟

زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة لا تعني تلقائيًا بدء وساطة صينية في أزمة سد النهضة، لكنها تخلق مناخًا سياسيًا مناسبًا لإعادة طرح الدور الصيني المحتمل.

وتزداد أهمية هذا الاحتمال لأن الصين تجمع بين علاقتها القوية بمصر ومصالحها الواسعة في إثيوبيا، فضلًا عن خبرتها في مشروعات الطاقة والبنية التحتية والسدود.

لكن تحويل هذه المقومات إلى وساطة فعلية يظل مرتبطًا بثلاثة شروط: رغبة مصر في طلب الدور الصيني، قبول إثيوبيا بهذا المسار، واستعداد بكين لاستخدام ثقلها الدبلوماسي والاقتصادي لتقريب المواقف.

الخلاصة في موقف شراقي

يرى عباس شراقي أن الصين قد تكون خيارًا قابلًا للطرح في أزمة سد النهضة، خاصة في ظل زيارة الرئيس الصيني إلى مصر وتطور العلاقات بين القاهرة وبكين.

ولا يقدم هذا الطرح الصين باعتبارها حلًا مضمونًا للأزمة، بل باعتبارها طرفًا يملك أدوات قد تساعد على كسر الجمود إذا طلبت الأطراف المعنية تدخلها رسميًا.

وبين المصالح الصينية في إثيوبيا والشراكة الاستراتيجية مع مصر، تبقى بكين واحدة من القوى الدولية القادرة على لعب دور مختلف، بشرط أن يتحول الحديث عن الوساطة من احتمال سياسي إلى مسار دبلوماسي واضح.

تم نسخ الرابط