تحالف مسلح جديد واتهامات إقليمية توسع دائرة التوتر
أزمة إثيوبيا تتصاعد داخليًا ومع الجوار.. عماد جاد يستبعد حربًا مع مصر
دخلت أزمة إثيوبيا مرحلة أكثر تعقيدًا خلال الأيام الأخيرة، بعدما تزامن تصعيد المواجهات الداخلية مع إعلان تحالف يضم سبع جماعات مسلحة، إلى جانب اتهامات إثيوبية جديدة لمصر والسودان بدعم خصوم أديس أبابا وتوتر متواصل مع دول في منطقة القرن الأفريقي. وفي قراءة لهذه التطورات، استبعد الدكتور عماد جاد، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، انتقال الخلاف المصري الإثيوبي إلى حرب مباشرة، معتبرًا أن الصراعات الداخلية والانقسامات السياسية والعرقية تمثل عنصرًا أساسيًا في الأزمة الحالية، بينما تبقى تقديراته بشأن مستقبل الصراع وتحركات الأطراف قراءة سياسية وليست نتيجة محسومة.
ما الذي تغير داخل إثيوبيا؟
التطور الميداني والسياسي الأبرز يتمثل في إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف جديد يستهدف تغيير الحكومة التي يقودها رئيس الوزراء آبي أحمد، ويضم قوى سبق أن وقفت في معسكرات متعارضة خلال حرب تيجراي بين عامي 2020 و2022.
ويشمل التحالف جبهة تحرير شعب تيجراي وحركة فانو الوطنية في أمهرة، إلى جانب جماعات من أوروميا وعفر وبني شنقول-قمز ومناطق أخرى. لكن وجود هذه القوى داخل إطار واحد لا يعني بالضرورة تحولها إلى قوة عسكرية موحدة؛ إذ لا تزال بينها خلافات سياسية وإقليمية، كما أن مدى قدرتها على تنسيق عمليات مشتركة لم يتضح بصورة كاملة حتى الآن.
وتضع هذه النقطة تقديرات عماد جاد بشأن الانقسامات الداخلية في سياق تطورات فعلية تشهدها البلاد، لكن تفسير أسباب الأزمة ومسؤولية الحكومة عنها يظل موقفًا تحليليًا منسوبًا إليه وليس حقيقة مستقلة محسومة.
اتهامات إثيوبية جديدة لمصر والسودان
اتسعت دائرة الأزمة بعد تصريحات رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية المشير برهانو جولا، الذي اتهم مصر والسودان وأطرافًا أخرى بتقديم دعم لجماعات مناوئة للحكومة الإثيوبية.
وربط جولا بين التحالف المسلح الجديد وما وصفه بمساندة خارجية لخصوم أديس أبابا، إلا أن التقارير المنشورة عن تصريحاته أشارت إلى عدم تقديم أدلة علنية تفصيلية تثبت الاتهامات الموجهة إلى القاهرة والخرطوم، ولذلك تظل هذه المزاعم مواقف صادرة عن الجانب الإثيوبي وليست وقائع مثبتة بصورة مستقلة.
وتأتي هذه التصريحات في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الإثيوبية السودانية اتهامات متبادلة بشأن دعم جماعات مسلحة والتحركات قرب الحدود، وهو ما أضاف ملفًا جديدًا إلى التوتر الإقليمي المحيط بإثيوبيا إلى جانب خلافاتها القائمة مع أطراف أخرى في القرن الأفريقي.
لماذا استبعد عماد جاد الحرب بين مصر وإثيوبيا؟
يرى عماد جاد أن ارتفاع مستوى التوتر السياسي لا يعني بالضرورة انتقال مصر وإثيوبيا إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مستندًا في تقديره إلى البعد الجغرافي وطبيعة موازين القوة والمصالح الإقليمية.
وقال إن مصر، وفق رؤيته، لا تتجه إلى مهاجمة إثيوبيا، معتبرًا أن الصراع الحالي يتمحور بدرجة أكبر حول الأزمات الداخلية والتحالفات الإقليمية والمواقف المتعارضة في ملفات مثل سد النهضة والصومال والسودان.
ويظل هذا الاستبعاد تقديرًا سياسيًا للسيناريوهات المحتملة، وليس توقعًا رسميًا صادرًا عن الحكومتين المصرية أو الإثيوبية، كما أن استمرار التصعيد اللفظي والاتهامات المتبادلة لا يساوي في ذاته قرارًا بالدخول في حرب.
الصومال يتحول إلى أحد ملفات التوتر الإقليمي
يمثل الحضور المصري في الصومال أحد الملفات التي تدخل ضمن حسابات العلاقات المصرية الإثيوبية في المرحلة الحالية، لكن الموقف المصري الرسمي يقدمه في إطار دعم مؤسسات الدولة الصومالية وسيادتها.
وأكدت وزارة الخارجية المصرية في 23 سبتمبر 2026 استمرار الشراكة مع الصومال ودعم وحدة وسيادة وسلامة أراضيه، إلى جانب مواصلة دعم بناء مؤسسات الدولة والمشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال.
وبذلك يجب الفصل بين ما تعلنه القاهرة رسميًا بشأن أهداف تعاونها مع مقديشو وبين تفسير أديس أبابا أو محللين سياسيين لتأثير هذا التعاون على التوازنات الإقليمية.
سد النهضة يبقى ملفًا قائمًا بالتوازي مع الصراع الداخلي
رغم تصاعد الصراع داخل إثيوبيا، ما زال ملف سد النهضة حاضرًا في العلاقات المصرية الإثيوبية باعتباره مسارًا منفصلًا عن المواجهات الداخلية.
وجددت مصر خلال سبتمبر موقفها الرافض للإجراءات الأحادية المتعلقة بمياه النيل، مع التأكيد على التمسك بالتعاون والقانون الدولي وحماية أمنها المائي، وهو ما يعني أن الأزمة الداخلية في إثيوبيا لم تتحول رسميًا إلى بديل عن الخلاف القائم بشأن السد.
ولا توجد معلومات موثقة تسمح بالقول إن التحالف المسلح الجديد أو المواجهات الداخلية أدت حتى الآن إلى تغيير مباشر في تشغيل سد النهضة أو الموقف التفاوضي الرسمي للدول المعنية.
هل تستهدف التطورات الحالية إسقاط آبي أحمد؟
قال عماد جاد إن التحركات الداخلية تستهدف، وفق تقديره، إسقاط رئيس الوزراء آبي أحمد، وهي قراءة تجد جزءًا من أساسها في البيان الصادر عن التحالف المسلح الجديد، الذي أعلن صراحة أن هدفه تغيير الحكومة الحالية.
لكن إعلان الهدف لا يعني امتلاك التحالف القدرة الفعلية على تحقيقه، خصوصًا في ظل التباينات السياسية والجغرافية بين مكوناته وعدم وضوح مستوى التنسيق العسكري بينها.
وبذلك تتمثل المرحلة الحالية في تصعيد داخلي موثق واتساع في دائرة الخلافات الإقليمية، بينما تبقى سيناريوهات سقوط الحكومة أو اندلاع مواجهة مباشرة بين مصر وإثيوبيا احتمالات سياسية لا يمكن تقديمها باعتبارها نتائج محسومة.









