تخارج المستثمرين وقرارات الفائدة المرتقبة يحددان اتجاه العملة الأمريكية
سعر الدولار يتجاوز 56 جنيهًا.. توقعات 50 و72 والفائدة والاستثمارات
تجاوز سعر الدولار مقابل الجنيه المصري مستوى 56 جنيهًا في ختام التعاملات المصرفية، مسجلًا 56.22 جنيه للشراء و56.32 جنيه للبيع في البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي، بزيادة 45 قرشًا مقارنة ببداية الجلسة في هذه البنوك. وتزامن الارتفاع مع ضغوط على سوق النقد الأجنبي وتحركات للاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية، بينما طرح خبراء اقتصاديون سيناريوهات متباينة لمستقبل العملة الأمريكية، تبدأ بإمكانية العودة إلى 49 و50 جنيهًا، وتمتد إلى احتمال بلوغ 70 و72 جنيهًا في ظروف استثنائية. وتكشف مقارنة الأسعار الفعلية بتقديرات الخبراء أن تجاوز مستوى 56 جنيهًا تحقق بالفعل، لكن شروط السيناريوهات الأكثر حدة لم تتأكد جميعها.
سعر الدولار في البنوك بعد الارتفاع الجديد
سجل البنك المركزي المصري في أحدث بيانات الإغلاق نحو 56.21 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع، مقارنة بنحو 55.76 جنيه للشراء و55.90 جنيه للبيع في الإغلاق السابق، بزيادة قدرها 45 قرشًا في كل من السعرين.
وفي البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي، وصل الدولار إلى 56.22 جنيه للشراء و56.32 جنيه للبيع، بينما سجل بنك قناة السويس نحو 56.25 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع.
وبين البنوك الواردة في الرصد الختامي، بلغ أعلى سعر لشراء الدولار 56.25 جنيه، مقابل 56.22 جنيه لأقل سعر شراء، بفارق ثلاثة قروش. وتراوحت أسعار البيع بين 56.32 و56.35 جنيه، بفارق مماثل، دون اعتبار هذه المستويات حصرًا نهائيًا لجميع البنوك العاملة بالسوق المصرية.
وتكشف المقارنة أن الدولار تجاوز النطاق الذي حدده الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، باعتباره مقبولًا في الظروف الحالية، والبالغ 54 إلى 56 جنيهًا.
لكن تجاوز هذا النطاق لا يمثل مخالفة لسقف رسمي، إذ يتعلق الأمر بتقدير اقتصادي لأوضاع السوق، وليس مستوى ملزمًا أقره البنك المركزي المصري.
خروج الاستثمارات الأجنبية يضغط على الجنيه
ترتبط موجة ارتفاع الدولار بتحركات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلية، إلى جانب احتياجات الشركات والمستوردين من النقد الأجنبي خلال الفترة الحالية.
وأشارت أرقام منشورة عن تعاملات سوق الدين إلى تسجيل صافي خروج للاستثمارات الأجنبية من أذون الخزانة بنحو 2.1 مليار دولار خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع ارتفاع حجم التعاملات في سوق الإنتربنك الدولاري إلى 3.12 مليار دولار، مقابل 1.93 مليار دولار خلال الأسبوع السابق.
وتعادل الزيادة في حجم تعاملات الإنتربنك نحو 62%، وفق الأرقام المنشورة، لكنها لا تمثل بمفردها صافي خروج للأموال من مصر؛ إذ يعكس هذا المؤشر حجم تداول الدولار بين البنوك لتلبية الاحتياجات المختلفة.
وامتدت الضغوط إلى سوق الأسهم، حيث أظهرت البيانات المتداولة تراجع المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX30 إلى نحو 48416 نقطة، مقارنة بمستوى 51602 نقطة في بداية الأسبوع السابق.
ويعكس تزامن تراجع الأسهم وصعود الدولار حالة من الضغوط على الأسواق المالية، دون أن يعني ذلك أن خروج المستثمرين من البورصة يمثل وحده السبب المباشر لجميع تحركات سعر الصرف.
سيناريوهات الدولار بين 50 و72 جنيهًا
طرح محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، سيناريو يسمح بتراجع الدولار إلى مستويات تتراوح بين 49 و50 جنيهًا، بشرط هدوء التوترات الجيوسياسية وعودة التدفقات الاستثمارية الأجنبية واستقرار الأسواق.
واعتبر نجلة أن الارتفاعات الحالية ترتبط بظروف استثنائية، مشيرًا إلى أن تحسن المعروض من النقد الأجنبي وانحسار المخاطر الإقليمية قد يغيران اتجاه العملة الأمريكية.
وفي المقابل، طرح الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، سيناريو أكثر حدة في حال استمرار خروج الاستثمارات الأجنبية وتصاعد الضغوط على سوق الصرف.
وحذر النحاس من تجاوز الدولار مستوى 57 جنيهًا، أو استمراره فوق 56 جنيهًا لمدة 48 ساعة متواصلة دون تراجع، معتبرًا أن استمرار هذه الظروف قد يدفع العملة الأمريكية إلى 65 جنيهًا، ثم نطاق يتراوح بين 70 و72 جنيهًا.
ويختلف هذا التحذير عن إعلان توقع مؤكد بوصول الدولار إلى تلك المستويات؛ فالخبير ربطه بشروط محددة تتعلق باستمرار الضغوط وتطور الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية.
كما أن تسجيل سعر إغلاق أعلى من 56 جنيهًا لا يكفي بمفرده لإثبات تحقق شرط الاستمرار لمدة 48 ساعة، لأن اختبار هذا الشرط يتطلب متابعة حركة السعر خلال الفترة المحددة، وليس الاكتفاء بتسعيرة واحدة.
أما محمد أنيس، فتمسك بتقديره لنطاق 54 إلى 56 جنيهًا باعتباره مناسبًا للظروف الاقتصادية الحالية، موضحًا أن الطلب الموسمي على العملة الأجنبية وتحركات رؤوس الأموال وارتفاع الفائدة الأمريكية تمثل عوامل مؤثرة في السوق.
وتظهر هذه التقديرات اختلافًا جوهريًا في الافتراضات؛ فسيناريو العودة إلى 50 جنيهًا يفترض تحسن التدفقات وانحسار المخاطر، بينما يرتبط احتمال بلوغ 72 جنيهًا بتدهور أشد في الظروف نفسها.
اجتماعا الفائدة في مصر وأمريكا وتأثيرهما على الدولار
تواجه سوق الصرف اختبارًا جديدًا مع اقتراب اجتماعين مهمين للسياسة النقدية في الولايات المتحدة ومصر.
ويعقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اجتماعه يومي 27 و28 أكتوبر، على أن يصدر قراره بشأن أسعار الفائدة يوم الأربعاء، بعد رفع الفائدة خلال الاجتماع السابق إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%.
وفي مصر، تعقد لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي اجتماعها يوم الخميس 29 أكتوبر، بعد تثبيت أسعار العائد الأساسية خلال اجتماع سبتمبر عند 19% للإيداع و20% للإقراض و19.50% للعملية الرئيسية للبنك المركزي.
وتأتي هذه الاجتماعات بعد تراجع التضخم السنوي العام في المدن المصرية إلى 13.9% خلال سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.1%، وفق بيانات البنك المركزي.
وتشير التقديرات المنشورة لعدد من المؤسسات المالية إلى ترجيح تثبيت الفائدة المصرية، مع وجود آراء أخرى ترى أن استمرار تراجع الجنيه قد يعزز احتمالات تشديد السياسة النقدية.
ولا يعني تثبيت الفائدة أو رفعها بالضرورة انخفاض الدولار مباشرة؛ إذ يتوقف تأثير القرار على اتجاه الاستثمارات الأجنبية والتوقعات المتعلقة بالتضخم والطلب على النقد الأجنبي.
الاحتياطي النقدي وتحويلات المصريين في مواجهة الضغوط
رغم ارتفاع سعر الدولار، تظهر أحدث البيانات الرسمية استمرار تسجيل تدفقات دولارية مهمة للاقتصاد المصري.
فقد بلغ صافي الاحتياطيات الدولية نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر، وفق بيانات أولية للبنك المركزي، مقابل 57.21 مليار دولار بنهاية أغسطس.
كما سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 33.9 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بزيادة 27.2% مقارنة بالفترة المقابلة من العام السابق.
وعلى مستوى السنة المالية 2025/2026، بلغت تحويلات العاملين بالخارج 47.3 مليار دولار، مقابل 36.5 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة.
لكن ارتفاع التحويلات والاحتياطيات لا يعني اختفاء جميع الضغوط على سوق الصرف، إذ أظهرت بيانات ميزان المدفوعات تسجيل عجز في الحساب الجاري بلغ 22.5 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، رغم تحقيق ميزان المدفوعات فائضًا كليًا بنحو 2.8 مليار دولار.
وتوضح هذه البيانات أهمية التمييز بين حجم الموارد الدولارية المتدفقة إلى الاقتصاد وبين الالتزامات والاحتياجات الخارجية التي تستلزم تدبير النقد الأجنبي.
وفي هذا السياق، أكد حسن عبدالله، محافظ البنك المركزي المصري، خلال مشاركته في منتدى مصر 2026، تمسك البنك بسياسة سعر الصرف المرن، معتبرًا أنها تمثل خط الدفاع الأول أمام الصدمات الاقتصادية الخارجية، دون أن تكون الأداة الوحيدة للحفاظ على الاستقرار.
أسعار النفط والتوترات الإقليمية تدخل حسابات الدولار
تمثل تطورات سوق الطاقة عاملًا إضافيًا في تقديرات سعر الصرف، خصوصًا مع ارتباط تكلفة الواردات البترولية بأسعار النفط العالمية.
وسجل خام برنت خلال إحدى قراءات التعاملات نحو 115 دولارًا للبرميل، بعد ارتفاعات قوية خلال الأسبوع السابق، وسط استمرار المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة وحركة الملاحة في المنطقة.
وحذر وائل النحاس من سيناريو افتراضي قد تتجاوز فيه أسعار النفط 200 دولار للبرميل إذا اتسع التصعيد العسكري وأدى إلى تعطيل الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.
ويظل هذا الرقم افتراضًا مرتبطًا باضطرابات استثنائية، وليس السعر الحالي للنفط أو مستوى مستهدفًا مؤكدًا.
وتؤثر تكلفة الطاقة في الاحتياجات الدولارية للاقتصاد المصري، لكن تحديد حجم الأثر النهائي يتطلب النظر إلى الواردات الفعلية والتعاقدات القائمة وتطورات الأسعار العالمية.
ما الذي يحسم اتجاه سعر الدولار خلال الفترة المقبلة؟
يرتبط الاتجاه المقبل للعملة الأمريكية بمسار التدفقات الأجنبية في أدوات الدين، ومدى استمرار الطلب على الدولار داخل الجهاز المصرفي، ونتائج اجتماعي الفائدة المرتقبين، إضافة إلى تطورات أسعار الطاقة والأوضاع الجيوسياسية.
وتصبح عودة الدولار إلى مستويات أقل مرتبطة بتحسن المعروض من العملة الأجنبية وانحسار الضغوط، بينما يحتاج استمرار الصعود إلى عوامل تدفع الطلب على الدولار للارتفاع أو تقلص التدفقات الداخلة إلى السوق.
ولا توجد مستهدفات رسمية معلنة من البنك المركزي المصري تضع الدولار عند 50 أو 65 أو 72 جنيهًا، كما أن السيناريوهات المطروحة لا تحمل مواعيد مؤكدة للوصول إلى أي من هذه المستويات.
وبذلك تظل أسعار الصرف المعلنة بالبنوك هي المؤشر الفعلي لتحركات العملة، بينما تمثل توقعات الخبراء تقديرات مشروطة تتغير بتغير الظروف الاقتصادية والمالية.









