المالية تكشف وفرًا بالمليارات وإجراءات للحد من تقلبات الطاقة
أسعار الوقود في مصر.. قرار التثبيت وتحوط النفط وأعباء الموازنة
استمرار تثبيت أسعار الوقود في مصر رغم صعود النفط عالميًا يرتبط بآليات حكومية لإدارة تكلفة الطاقة، تشمل مراجعة أسعار خام برنت وسعر الصرف، والتحوط ضد تقلبات الأسواق، وترشيد استهلاك الوقود والغاز داخل أجهزة الدولة. وفي أحدث البيانات، أعلن وزير المالية أحمد كجوك تحقيق وفر يتراوح بين 7 و8 مليارات جنيه بعد خفض الاستهلاك الحكومي بنسبة 20% خلال العام المالي الماضي، بالتزامن مع حديثه عن ترتيبات تحوط سابقة شملت نصف احتياجات خام برنت. وتأتي هذه التصريحات عقب قرار لجنة التسعير التلقائي تثبيت أسعار البنزين والسولار، بينما تواصل الأسعار العالمية ارتفاعها، دون صدور قرار جديد بزيادة الأسعار المحلية أو إعلان قيمة محددة لاعتمادات إضافية لدعم المنتجات البترولية.
قرار تثبيت أسعار البنزين والسولار رغم ارتفاع النفط
أبقت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، في قرارها الصادر يوم 15 أكتوبر، أسعار البنزين والسولار دون تعديل، عقب مراجعة تطورات سعر الصرف وخام برنت خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر 2026، ومقارنتها بالربع السابق.
ووفق الأسعار المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة البترول والثروة المعدنية، يبلغ سعر بنزين 80 نحو 20.75 جنيه للتر، وبنزين 92 نحو 22.25 جنيه، وبنزين 95 نحو 24 جنيهًا، بينما يستقر السولار عند 20.50 جنيه للتر.
ويبلغ سعر الكيروسين 20.50 جنيه للتر، وأسطوانة البوتاجاز المنزلية 275 جنيهًا، فيما يسجل غاز تموين السيارات 13 جنيهًا للمتر المكعب.
ولم يتضمن القرار تحديد موعد جديد لزيادة الأسعار أو تعهدًا بالإبقاء عليها عند المستويات الحالية لمدة غير محددة، وإنما اقتصر على تثبيتها بعد مراجعة محددات التسعير.
وتظهر أهمية توقيت المراجعة عند مقارنة البيانات المنشورة لخام برنت؛ إذ سجل السعر المدرج على الموقع الرسمي لوزارة البترول 104.53 دولارات للبرميل في 15 أكتوبر، مقابل 111.33 دولارًا في 22 أكتوبر.
ويعني ذلك زيادة قدرها 6.80 دولارات للبرميل بين التاريخين، وفق الأسعار المرجعية المنشورة للخام نفسه، دون أن يصاحبها إعلان جديد بتغيير أسعار البنزين والسولار في مصر.
لكن قرار التثبيت استند إلى مراجعة الربع المنتهي في سبتمبر، وليس إلى حركة النفط اللاحقة خلال أكتوبر، ولذلك لا يجوز اعتبار ارتفاع الأسعار العالمية بعد القرار دليلًا على زيادة محلية تلقائية.
وزير المالية يوضح تفاصيل التحوط ضد ارتفاع أسعار النفط
تحدث أحمد كجوك، وزير المالية، خلال جلسة «مسيرة الطاقة المصرية.. إنجازات وطنية وآفاق المستقبل» بمنتدى مصر 2026، عن استخدام الحكومة آلية التحوط للحد من آثار تقلبات الأسعار العالمية.
وأوضح أن الدولة تحوطت خلال العام الماضي لنحو 50% من احتياجات خام برنت عند سعر محدد، بتكلفة تراوحت بين 80 و90 مليون دولار، مشيرًا إلى أن هذه الترتيبات حققت فائدة مع ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
وتقوم فكرة التحوط على تقليل تعرض جزء من الاحتياجات للتغيرات المفاجئة في الأسعار، وفق شروط التعاقدات المبرمة، بدلًا من تحمل كامل أثر الصعود في السوق الفورية.
ولا تعني هذه التصريحات أن نصف واردات النفط الحالية مؤمن بالسعر نفسه؛ إذ تحدث الوزير عن ترتيبات نُفذت خلال العام الماضي، دون إعلان نسبة التحوط القائمة حاليًا أو تفاصيل التعاقدات الجديدة.
كما أن تكلفة التحوط البالغة 80 إلى 90 مليون دولار لا تمثل قيمة الوفر المتحقق منه، وإنما التكلفة التي أشار إليها الوزير مقابل ترتيبات الحماية من تقلبات الأسعار.
وشدد كجوك على أهمية معالجة الضغوط السعرية بصورة تدريجية بدلًا من تأجيلها حتى تتحول إلى أزمة، موضحًا أن آلية التسعير التلقائي تستهدف إجراء مراجعات دورية في حدود تراعي قدرة المواطنين.
وفر من 7 إلى 8 مليارات جنيه بعد ترشيد استهلاك الوقود
في تطور مالي آخر، أكد وزير المالية تحقيق وفر يتراوح بين 7 و8 مليارات جنيه نتيجة خفض استهلاك الغاز والوقود بنسبة 20% داخل أجهزة الموازنة العامة خلال العام المالي الماضي.
وأوضح أن ترشيد الاستهلاك يمثل أحد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة للتعامل مع ارتفاع تكلفة الطاقة، بالتوازي مع التوسع في الاستثمارات المرتبطة بإنتاج الكهرباء وتحسين كفاءة الشبكات.
ويختلف هذا الوفر عن عوائد التحوط ضد أسعار النفط؛ فالأول ناتج عن خفض استهلاك أجهزة الموازنة، بينما تستهدف ترتيبات التحوط تقليل المخاطر المالية المرتبطة بتغير سعر الخام.
ولا يمثل مبلغ 7 إلى 8 مليارات جنيه اعتمادًا جديدًا لدعم البنزين أو السولار، كما لا يعني أن الحكومة خصصته بالكامل لتعويض زيادة تكلفة الواردات البترولية.
كذلك لا يمكن اعتبار الوفر المحقق مساويًا تلقائيًا للأعباء التي تفرضها زيادة أسعار النفط، لأن كل رقم يرتبط بنطاق وفترة وطريقة حساب مختلفة.
4 مليارات جنيه لكل دولار زيادة في النفط.. ماذا يعني التقدير؟
كان المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، قد أوضح أن كل دولار زيادة في سعر برميل النفط فوق السعر التقديري للموازنة، البالغ 75 دولارًا، قد يضيف نحو 4 مليارات جنيه سنويًا إلى الأعباء المالية.
ويرتبط هذا التقدير بتأثير ارتفاع أسعار الطاقة على فاتورة الاستيراد والمخصصات المطلوبة لتوفير احتياجات السوق المحلية.
لكن الرقم يمثل تقديرًا للأثر السنوي المحتمل، وليس إعلانًا من وزارة المالية عن خسارة فعلية بقيمة 4 مليارات جنيه كلما تحرك سعر البرميل دولارًا واحدًا خلال جلسة تداول.
كما يتوقف الأثر النهائي على متوسط الأسعار خلال الفترة المالية، وكميات الاستيراد والإنتاج المحلي، وسعر الصرف، وطبيعة عقود التوريد والتحوط.
وخلال مناقشات منتدى مصر 2026، استعرض الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، صعوبة الموازنة بين تحمل الدولة لفروق تكلفة الطاقة وزيادة أسعار المنتجات البترولية.
وأوضح أن الحكومة تواجه بدائل تشمل نقل التكلفة إلى المستهلكين، أو توفير تمويل إضافي قد يرتبط بالاقتراض، أو تقليل الكميات المشتراة بما قد يهدد انتظام الإمدادات.
وتبرز هذه التصريحات أن معالجة ارتفاع النفط لا تقتصر على تحديد سعر البيع داخل محطات الوقود، وإنما تشمل أيضًا قدرة الدولة على تمويل الواردات والحفاظ على توافر المنتجات البترولية والكهرباء.
غير أن قرار لجنة التسعير بتثبيت الأسعار لا يثبت بمفرده صدور زيادة محددة في بند الدعم بالموازنة، ما لم تعلن وزارة المالية أو الجهة المختصة تفاصيل الاعتمادات الإضافية.
الطاقة المتجددة وتقليل فاتورة استيراد الغاز
تتضمن خطة الحكومة لتقليل الضغوط المستقبلية على فاتورة الطاقة التوسع في الإنتاج المحلي من البترول والغاز، إلى جانب زيادة مساهمة المصادر الجديدة والمتجددة في إنتاج الكهرباء.
وقدر وزير المالية أن إضافة كل جيجاوات من الطاقة الجديدة والمتجددة يمكن أن توفر ما بين 200 و250 مليون دولار سنويًا من واردات الغاز الطبيعي.
ويرتبط هذا الوفر المتوقع بدخول القدرات الجديدة إلى التشغيل الفعلي ومدى مساهمتها في خفض استخدام الغاز بمحطات الكهرباء، ولا يعد مبلغًا تحقق بمجرد إعلان المستهدفات.
وفي ملف الإنتاج المحلي، أكدت وزارة البترول استمرار العمل مع شركاء الاستثمار لتسريع تنمية الاكتشافات الجديدة وربطها بالشبكة القومية، بهدف زيادة الإنتاج والاستفادة من البنية التحتية القائمة.
ويساعد ارتفاع الإنتاج المحلي، متى تحقق بالكميات المستهدفة، على تقليل الاعتماد على الاستيراد وخفض تعرض فاتورة الطاقة للتقلبات الخارجية.
هل ترتفع أسعار الوقود في مصر خلال الفترة المقبلة؟
لا تتضمن البيانات الرسمية الصادرة حتى الآن قرارًا جديدًا بزيادة أسعار البنزين أو السولار بعد تثبيت الأسعار في 15 أكتوبر.
كما أن تصريحات وزير المالية بشأن التحوط وترشيد الاستهلاك لا تمثل ضمانًا بعدم تحريك الأسعار مستقبلًا، وإنما توضح بعض الأدوات المستخدمة للتعامل مع الضغوط المالية.
وتظل قرارات التسعير المقبلة مرتبطة بالمراجعات التي تجريها لجنة التسعير التلقائي وفق محدداتها، وفي مقدمتها أسعار المنتجات البترولية عالميًا وسعر الصرف والعوامل المؤثرة في تكلفة توفير الوقود.
ومن ثم، فإن المعلومات المؤكدة تتمثل في استمرار الأسعار المعلنة، وتحقيق وفر مالي من ترشيد الاستهلاك، واستخدام ترتيبات تحوط خلال العام السابق، بينما لم يُعلن بعد حجم أثر ارتفاع النفط الأخير على اعتمادات الدعم أو أي قرار جديد يغير الأسعار التي يدفعها المستهلكون









