واشنطن لم تعلن سبب المغادرة والوسطاء يواصلون تحركاتهم بين الطرفين
انسحاب الوفد الأمريكي أثناء خطاب بزشكيان بالأمم المتحدة وسط اتصالات إيرانية أمريكية
غادر الوفد الأمريكي قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة مع بداية كلمة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء 23 سبتمبر 2026، في مشهد سياسي جاء بالتزامن مع تحركات دبلوماسية فعلية بين واشنطن وطهران داخل نيويورك لإنهاء الصراع. وحتى وقت إعداد التقرير، لم تعلن البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة سبب الانسحاب، وهو ما يمنع ربط الخطوة رسميًا بموقف محدد من خطاب بزشكيان. وفي المقابل، أكد الجانب الأمريكي استمرار اتصالات غير مباشرة عبر وسطاء، بينما تحدث الرئيس الإيراني من منصة الأمم المتحدة عن تمسك بلاده بمواقفها مع إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا، لتتحرك المواجهة والاتصالات السياسية في مسارين متزامنين.
ما الذي حدث داخل قاعة الأمم المتحدة؟
جاء انسحاب الوفد الأمريكي في بداية خطاب بزشكيان أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وفق ما أكدته وكالة رويترز، التي أشارت إلى أن البعثة الأمريكية لدى المنظمة الدولية لم تقدم تعليقًا فوريًا يفسر سبب المغادرة.
ويعني غياب التفسير الرسمي أنه لا يمكن الجزم بأن الانسحاب يمثل قرارًا بوقف الاتصالات السياسية مع إيران أو احتجاجًا مرتبطًا بجملة بعينها في الخطاب، كما لا توجد معلومات معلنة حتى الآن عن إجراء دبلوماسي أمريكي إضافي ترتب مباشرة على مغادرة القاعة.
وخلال كلمته، قال بزشكيان إن بلاده لن تستسلم في الصراع مع الولايات المتحدة، لكنه أكد في الوقت نفسه إيمان طهران بالمسار الدبلوماسي لإنهاء المواجهة. كما تناول أزمة الملاحة عبر مضيق هرمز والوجود العسكري في المنطقة، رابطًا تخفيف التوتر بتغيير الظروف المحيطة بالممر البحري.
الانسحاب لم يوقف قنوات الاتصال
اللافت في توقيت الواقعة أن الانسحاب الأمريكي جاء بعد ساعات من تأكيد وجود اتصالات بين الطرفين على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، وهو ما يفصل بين الرسالة السياسية التي حملها مشهد مغادرة القاعة وبين المسار التفاوضي الجاري خلف الكواليس.
وقال المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف إن الولايات المتحدة وإيران خاضتا محادثات مطولة عبر وسطاء كانوا يتنقلون بين الجانبين خلال يوم الثلاثاء، موضحًا أن عمل الوسطاء سيستمر. ولم يصف المسؤول الأمريكي هذه الاتصالات بأنها مفاوضات مباشرة وجهًا لوجه، وإنما تحدث عن وساطة تنقل المواقف بين الطرفين.
كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الاتصالات مع إيران مستمرة، وأعرب عن اعتقاده بإمكانية التوصل إلى تسوية في مرحلة ما، مع تأكيده استمرار الخلاف بشأن الملف النووي الإيراني.
وبذلك لا توفر المعلومات المعلنة أساسًا لاعتبار انسحاب الوفد من خطاب بزشكيان نهاية للمسار الدبلوماسي؛ إذ استمرت المؤشرات العلنية على وجود قناة تفاوضية في الوقت نفسه الذي ارتفع فيه مستوى الخطاب السياسي بين البلدين.
قطر تدخل على خط الوساطة
برز الدور القطري ضمن التحركات الدبلوماسية الجارية في نيويورك، حيث التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في ظل وساطة قطرية مستمرة لخفض التصعيد.
وبحسب ما نُقل عن الجانب الإيراني، استخدمت طهران قنوات الوساطة لعرض شروط ومطالب مرتبطة بإنهاء الصراع، وحرية الملاحة ورفع الضغوط المفروضة على الموانئ والأصول الإيرانية، بينما تحدث مسؤول إيراني عن إمكانية اتخاذ خطوات بشأن مضيق هرمز إذا تغيرت الإجراءات الأمريكية التي تعترض عليها طهران. وتظل هذه الشروط موقفًا تفاوضيًا إيرانيًا وليست اتفاقًا مقبولًا من الولايات المتحدة حتى الآن.
وكان ترامب قد قال قبل يوم من خطاب بزشكيان إن الولايات المتحدة وإيران تتواصلان، فيما أكد ويتكوف بصورة أكثر تحديدًا أن المحادثات جرت عبر وسطاء، وهو تطور يتجاوز مجرد إعلان أمريكي سابق بالانفتاح على الدبلوماسية إلى وجود اتصال تفاوضي فعلي خلال اجتماعات نيويورك.

خطاب سياسي مرتفع ومسار تفاوضي مستمر
تأتي هذه التطورات بعد كلمة ترامب أمام الجمعية العامة في 22 سبتمبر، والتي استخدم خلالها لغة شديدة تجاه إيران مع الإبقاء في الوقت نفسه على احتمال التوصل إلى اتفاق لإنهاء الصراع. وفي اليوم التالي، جاء خطاب بزشكيان ليجمع بدوره بين رفض ما تعتبره طهران ضغوطًا أمريكية والتأكيد على استمرار إمكانية الحل الدبلوماسي.
ويضع هذا التسلسل واقعة انسحاب الوفد الأمريكي في سياق أوسع: خطاب سياسي متصاعد داخل قاعة الأمم المتحدة يقابله استمرار اتصالات غير مباشرة خارجها، دون إعلان اتفاق نهائي أو انهيار للمفاوضات حتى وقت إعداد التقرير.
كما لم تقدم واشنطن حتى الآن تفسيرًا رسميًا لمغادرة وفدها خلال كلمة الرئيس الإيراني، ولم يصدر ما يربط الخطوة بإلغاء الوساطة أو تعليق الاتصالات. لذلك يبقى التطور المؤكد هو تزامن الانسحاب مع وجود مسار تفاوضي عبر وسطاء، وليس استبدال أحد المسارين بالآخر.









