شهادات جديدة تفرق بين ذاكرة الأسر والمعالجة الدرامية والحكم القضائي

أسر ضحايا بني مزار تعترض على تفاصيل المسلسل وتستعيد قصة 10 قتلى وبراءة المتهم الوحيد

جريمة بني مزار
جريمة بني مزار

عادت جريمة بني مزار إلى الواجهة من زاوية مختلفة بعد مرور نحو 21 عامًا على واقعة مقتل 10 أشخاص من ثلاث أسر بعزبة شمس الدين في المنيا، إذ تحدث أقارب الضحايا عن تفاصيل قالوا إن مسلسل «ما لم يُحكَ عن بني مزار» قدم بعضها بصورة لا تتفق مع ما عاشوه أو عرفوه عن الحادث. وتكشف مقارنة روايات الأسر بالمسار القضائي وتصريحات صناع العمل ثلاثة مستويات يجب الفصل بينها: شهادات شخصية لأقارب الضحايا، ومعالجة درامية لا يصفها صناعها بأنها تحقيق قضائي، وثابت قانوني انتهى إلى براءة المتهم الوحيد دون إدانة شخص آخر بارتكاب الجريمة.

وتتمثل النقطة الأهم في أن إعادة الجريمة إلى الشاشة لم تغيّر نتيجتها القضائية؛ فالمتهم الذي أُحيل للمحاكمة حصل على البراءة، ثم أيدت محكمة النقض الحكم في ديسمبر 2008، بينما بقيت هوية مرتكب الجريمة دون حسم قضائي. وفي المقابل، أظهرت شهادات حديثة لأسر الضحايا أن خلافهم مع المسلسل لا يقتصر على النهاية، بل يمتد إلى تفاصيل مرتبطة بالمكان والشخصيات والسحر والآثار وبعض عناصر مسرح الجريمة.

أهالي الضحايا: هذه التفاصيل لا تطابق ما نعرفه

قال محمد يحيى، الذي فقد والده ووالدته وشقيقه وشقيقته في الواقعة، إن بعض ما ظهر دراميًا لا يتطابق، بحسب روايته، مع المشاهد والتفاصيل التي عرفها منذ وقوع الجريمة في ديسمبر 2005.

ومن أبرز نقاط اعتراضه تفصيلة الحمام، موضحًا أن تربية الحمام كانت في منزل أسرته، وأن ما حدث لم يكن بالصورة التي قدمها العمل، كما نفى من واقع معرفته بالحادث بعض التفاصيل التي ربطت الجريمة بطقوس أو ممارسات داخل المنازل الثلاثة.

وتتقاطع هذه الشهادة مع ما وثقته أوراق القضية المنشورة عن العثور على حمام نافق بعد قطع رؤوسه داخل أحد المنازل، وهو ما يختلف عن تحويل هذه الجزئية إلى قاعدة عامة مرتبطة بجميع مواقع الضحايا. كما أن الروايات التي ربطت الجريمة بالسحر أو البحث عن آثار بقيت على مدار السنوات فرضيات وتكهنات، ولم تتحول إلى نتيجة قضائية تثبت دافعًا محددًا للجريمة.

واعترض محمد يحيى أيضًا على تقديم شخصيات وتفاصيل اجتماعية قال إنها لا تعكس واقع عزبة شمس الدين كما يعرفه أهلها، وهي النقطة نفسها التي ظهرت في شهادات أخرى لأقارب الضحايا تحدثت عن وجود شخصيات أو وقائع لم يتعرفوا عليها باعتبارها جزءًا من القصة الأصلية.

الغضب لم يتوقف عند تفاصيل الجريمة

قال إبراهيم علي، شقيق إحدى الضحايا، إن عرض الحكاية أعاد حالة من التوتر والحزن بين بعض الأسر، معتبرًا أن هناك وقائع وردت في المسلسل لا تتفق، من وجهة نظره، مع التفاصيل التي يعرفها أهالي المنطقة.

كما تحدث بعض أقارب الضحايا عن أثر إعادة تقديم الجريمة بأسماء وتفاصيل قريبة من الواقع على الجيل الأصغر داخل العائلات، بعدما كان عدد من الأسر يتجنب نقل التفاصيل القاسية إلى الأطفال.

وأشارت شهادات حديثة أخرى من عزبة شمس الدين إلى اعتراض أهالٍ على ربط القرية بصورة مكثفة بالسحر والشعوذة، وإلى أن عرض العمل أعاد ذكريات حاولت بعض الأسر الابتعاد عنها لسنوات طويلة.

وتبقى هذه الشهادات روايات لأصحابها عن أثر العمل وما يتذكرونه من الواقعة، ولا تحل محل ما أثبته التحقيق أو ما انتهى إليه الحكم القضائي، وهي التفرقة الضرورية عند التعامل مع قضية اختلطت حولها منذ البداية الروايات الشعبية بالتفاصيل الجنائية.

ماذا يقول صناع «ما لم يُحكَ عن بني مزار»؟

في المقابل، سبق لصناع العمل توضيح أن ما يقدمونه معالجة درامية لقضية ظلت بلا إجابة قضائية عن هوية الجاني، وليس إعلانًا عن حل جديد للجريمة.

وقال المؤلف هاني سرحان قبل عرض الحكاية إن فريق العمل استعان بباحث، وإنه أجرى بدوره بحثًا والتقى شخصيات من المنيا للمساعدة في بناء المعالجة. كما أوضح أن عنصر الغموض الذي بقي محيطًا بالقضية كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى كتابتها.

أما المنتج مجدي الهواري، فأوضح في تصريحات سبقت العرض أن العمل يقدم تصورًا دراميًا محتملًا ولا يدعي امتلاك حقيقة لم يحسمها الواقع، وهو فارق يضع ما يظهر على الشاشة في إطار الفن وليس في مرتبة حكم قضائي أو تحقيق جديد.

وهنا تظهر نقطة الخلاف الأساسية: صناع العمل يتعاملون مع فراغ تركته قضية لم تصل إلى جانٍ مُدان، بينما ترى أسر من الضحايا أن ملء هذا الفراغ دراميًا ببعض الشخصيات أو الفرضيات أعاد تقديم وقائع يعتبرونها بعيدة عما حدث فعلًا.

أسر ضحايا بني مزار تعترض على تفاصيل المسلسل وتستعيد قصة 10 قتلى وبراءة المتهم الوحيد

ماذا ثبت في جريمة بني مزار؟

وقعت الجريمة في الساعات الأولى من 29 ديسمبر 2005 داخل ثلاثة منازل متقاربة بعزبة شمس الدين التابعة لمركز بني مزار، وعُثر على 10 ضحايا ينتمون إلى ثلاث أسر، بينهم أطفال.

وبعد أيام من التحقيقات اتجه الاتهام إلى شاب من أبناء المنطقة، وأُحيل إلى المحاكمة على خلفية مقتل الضحايا العشرة.

لكن محكمة جنايات المنيا قضت ببراءته في سبتمبر 2006 بعد عدم اطمئنانها إلى أدلة الاتهام، ومن بينها الاعترافات والتحريات وبعض عناصر التصور المقدم لكيفية تنفيذ الجريمة.

ولم يصبح حكم البراءة باتًا بعد أشهر قليلة كما ترددت بعض الروايات المختصرة عن القضية، وإنما انتهى المسار أمام محكمة النقض في 22 ديسمبر 2008 برفض الطعن وتأييد البراءة.

وتناولت أسباب الحكم المنشورة مشكلات تتعلق بكفاية الأدلة والتناقضات المحيطة بالتصوير المقدم للواقعة، لتنتهي القضية دون حكم بإدانة المتهم الذي حوكم عنها، ودون صدور حكم لاحق يدين شخصًا آخر بقتل الضحايا العشرة.

براءة المتهم لا تسمح بتحويل الشكوك إلى إدانة

ما زالت بعض أسر الضحايا تعبر عن شكوكها في الشخص الذي سبق اتهامه، وتستند في ذلك إلى تفاصيل تقول إنها وردت في مراحل التحقيق أو إلى معرفتها بأحداث سابقة داخل القرية.

لكن هذه القناعة تظل منفصلة قانونيًا عن نتيجة المحاكمة، لأن المتهم حصل على حكم بالبراءة أيدته محكمة النقض، وبالتالي لا يجوز التعامل معه باعتباره مرتكب الجريمة على أساس شكوك أو روايات لاحقة.

كما لا تعني البراءة أن القضاء حدد شخصًا آخر بوصفه الجاني؛ فالنتيجة التي يمكن إثباتها هي أن أدلة الاتهام لم تكن كافية لإدانة المتهم الذي قدم للمحاكمة، بينما لم ينته المسار المنشور إلى حكم بإدانة مرتكب آخر.

وهذا الفاصل بين الشك والإدانة هو ما يجعل عودة قضية بني مزار إلى الدراما شديدة الحساسية؛ فهناك أسر تحمل ذاكرة شخصية عن ليلة الجريمة، وعمل فني يبني فرضيات داخل مساحة الغموض، وفي المقابل حكم قضائي لا يسمح بتحويل أي من تلك الفرضيات إلى حقيقة جنائية ثابتة.

لماذا عاد الخلاف بعد أكثر من عقدين؟

أعادت حكاية «ما لم يُحكَ عن بني مزار» طرح الجريمة أمام جمهور جديد لم يعاصر وقائع 2005، وأصبحت التفاصيل الدرامية بالنسبة إلى بعض المشاهدين نقطة الدخول الأولى لمعرفة القضية.

لكن أسر الضحايا تنظر إلى الملف من موقع مختلف؛ فبالنسبة إليها لا تتعلق القضية بمادة تشويق قديمة، وإنما بأفراد من عائلاتها وبوقائع تركت آثارًا ممتدة داخل القرية.

ومن هنا يصبح الفصل بين ثلاثة أشياء ضروريًا لفهم الجدل الحالي: ما تقوله الأسر عن ذكرياتها واعتراضاتها، وما يقدمه المسلسل بوصفه معالجة فنية، وما حسمه القضاء بالفعل. وبقاء هذه الحدود واضحة يمنع أن تتحول الدراما إلى بديل عن الحكم، أو أن تتحول رواية شخصية مهما كانت أهميتها إلى إدانة قانونية.

تم نسخ الرابط