مدبولي يربط التجربة العمرانية بمشروعات أفريقية وشراكات تنفيذية جديدة

مدبولي: مصر مستعدة لنقل خبراتها العمرانية لأفريقيا وتوسيع الاستثمار في تنزانيا مع التمسك بحقوق النيل

مصطفى مدبولي
مصطفى مدبولي

تتحرك مصر لتوسيع حضور خبراتها العمرانية والتنفيذية داخل أفريقيا عبر مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على نقل المعرفة في تخطيط المدن والبنية الأساسية وإدارة المرافق، والثاني على تحويل هذه الخبرة إلى مشروعات وشراكات مع الدول الأفريقية. وطرح رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي هذا التوجه خلال منتدى «العلمين - أفريقيا للأعمال» في 3 أكتوبر 2026، بالتزامن مع مباحثاته مع نائب رئيس تنزانيا بشأن زيادة الاستثمارات والتعاون في الموانئ والزراعة والصحة، مع إعادة التأكيد على دعم التنمية في دول حوض النيل بالتوازي مع الحفاظ على حقوق مصر المائية.

ويضيف اجتماع تنزانيا بعدًا عمليًا لكلمة رئيس الوزراء حول المدن الأفريقية، إذ انتقل الحديث من عرض التجربة المصرية في المدن الجديدة إلى ملفات محددة يمكن أن تشهد تعاونًا جديدًا، من بينها توسعة ميناء دار السلام، ومشروع زراعي محتمل، وزيادة حضور الشركات المصرية بالسوق التنزانية، إلى جانب استمرار التعاون الطبي والفني. وهذه المشروعات لا تزال في مراحل مختلفة من البحث والتعاون ولم تُعلن جميعها كمشروعات دخلت مرحلة التنفيذ.

من التجربة العمرانية المصرية إلى مشروعات داخل أفريقيا

أكد مدبولي خلال الجلسة العامة الخاصة بالمدن والتنمية العمرانية أن مصر تمتلك خبرة تراكمت عبر التخطيط للمدن الجديدة وتوفير المرافق وشبكات النقل والطاقة والاتصالات وإدارة التنمية العمرانية، مشيرًا إلى أن الاستفادة من هذه الخبرة لا تقتصر على الداخل المصري، بل يمكن توظيفها بالتعاون مع الدول الأفريقية وفق احتياجات كل دولة.

ويرتبط هذا التوجه بواقع ديموغرافي سريع التغير في القارة. وتشير تقديرات أممية حديثة إلى أن أفريقيا تسجل أسرع معدلات نمو سكاني حضري في العالم، وأن قرابة ثلثي سكان القارة قد يعيشون في المناطق الحضرية بحلول 2050، ما يضع الإسكان والمرافق والنقل والتخطيط الحضري والقدرة على مواجهة التغيرات المناخية في صدارة الاحتياجات المستقبلية للمدن الأفريقية.

وحدد رئيس الوزراء عدة عناصر في النموذج الذي تطرحه مصر، تشمل الانتقال من إنشاء تجمعات سكنية إلى مدن متكاملة تضم الأنشطة الاقتصادية والخدمية والصناعية والسياحية، وربط تلك المدن بالبنية الأساسية الحديثة. واستشهد بالعاصمة الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة باعتبارها نماذج ضمن التجربة العمرانية المصرية التي يمكن الاستفادة من دروسها عند تصميم مشروعات تتلاءم مع ظروف الدول الأفريقية.

ولا يبدأ هذا التوجه من نقطة جديدة بالكامل؛ إذ اعتمد المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية العمرانية في سبتمبر 2023 السياسة الحضرية الوطنية لمصر بدعم من برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وتتضمن أهدافها إدارة النمو الحضري وتحقيق قدر أكبر من التوازن بين المدن ودعم التنمية الاقتصادية المحلية وتحسين الحوكمة وإدارة الأراضي والربط بين المدن.

تنزانيا تنتقل من نموذج جوليوس نيريري إلى تعاون أوسع

يمثل التعاون مع تنزانيا نموذجًا تطبيقيًا لما تحدث عنه رئيس الوزراء، بعدما افتتح في أغسطس 2026، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية الذي نفذه تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك. وقدم مدبولي المشروع باعتباره نموذجًا للتعاون الأفريقي القائم على قدرات تنفيذية مصرية وشراكة مع الدولة المستفيدة.

وفي اجتماعه مع نائب رئيس تنزانيا ديواجراتيس نيدجمبي على هامش منتدى العلمين، أبدى مدبولي اهتمام مصر بزيادة الاستثمارات المصرية في تنزانيا، مؤكدًا استعداد الشركات المصرية لتوسيع وجودها في السوق التنزانية بمختلف المجالات التنموية.

وتضمنت المباحثات إمكانية مشاركة مصر في إنشاء وإدارة أرصفة جديدة ضمن مشروع توسعة ميناء دار السلام، إلى جانب تقديم الدعم الفني ونقل الخبرات المصرية في إدارة وتشغيل الموانئ. ومن المقرر، وفق ما ورد في اللقاء، أن يزور وزير النقل التنزاني عددًا من الموانئ المصرية للاطلاع على نظم الإدارة والتشغيل، وهو ما يمثل خطوة عملية تسبق تحديد شكل أي مشاركة مستقبلية في المشروع التنزاني.

كما طرح الجانب المصري دراسة إمكانية تنفيذ مشروع لاستصلاح الأراضي على مراحل، بهدف دعم الإنتاج الغذائي وسلاسل الإمداد، مع استمرار التعاون الصحي من خلال القوافل الطبية وتدريب أطباء تنزانيين في المستشفيات المصرية وإمكانية المشاركة في تطوير القطاع الطبي.

ويكشف هذا التوسع أن التعاون المطروح لا يقوم على تصدير نموذج عمراني واحد بصورة حرفية، وإنما على نقل خبرات في قطاعات متعددة وربطها باحتياجات الدولة الشريكة، وهو ما أكد عليه مدبولي عندما تحدث عن تصميم المدن والبنية الأساسية وفق خصوصية كل دولة.

مدبولي: مصر مستعدة لنقل خبراتها العمرانية لأفريقيا وتوسيع الاستثمار في تنزانيا مع التمسك بحقوق النيل

ما علاقة المدن الجديدة بالاقتصاد والاستثمار؟

ركزت كلمة رئيس الوزراء على أن نجاح المدينة الجديدة لا يقاس بمجرد إنشاء المباني والوحدات السكنية، بل بقدرتها على توفير فرص العمل والخدمات والتعليم والرعاية الصحية والنقل وبيئة تسمح بالنشاط الاقتصادي والاستثمار.

وتتفق هذه الرؤية مع السياسة الحضرية المصرية التي تربط أدوار المدن بالتنمية الاقتصادية المحلية وإدارة النمو وتحسين الاتصال بينها، بدلاً من التعامل مع التوسع العمراني باعتباره إنشاء تجمعات سكنية منفصلة فقط.

كما ربط مدبولي التوسع العمراني بالتحول الرقمي والمرونة المناخية، معتبرًا أن إدارة الطاقة والمياه وحركة المرور والخدمات بالاعتماد على التكنولوجيا أصبحت جزءًا من كفاءة المدن، وأن مواجهة الحرارة والفيضانات وندرة المياه ينبغي أن تدخل في عملية التخطيط منذ بدايتها لا بعد اكتمال المشروعات.

ويمتد التحدي إلى التمويل؛ إذ أشار رئيس الوزراء إلى أن الحكومات لا تستطيع منفردة سد احتياجات البنية الأساسية والإسكان والخدمات الحضرية، ما يفتح المجال أمام نماذج تجمع الحكومات والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل التنموي والاستثمارات طويلة الأجل.

حقوق النيل بالتوازي مع دعم مشروعات التنمية

حمل لقاء مدبولي مع نائب رئيس تنزانيا رسالة أخرى تتعلق بموقف مصر من مشروعات التنمية في دول حوض النيل. وأشار رئيس الوزراء إلى دعم مصر خلال سنوات لمشروعات تنموية داخل دول الحوض، مستشهدًا بمشروعات في السودان وأوغندا ومشروع جوليوس نيريري في تنزانيا، وفي الوقت نفسه أعاد التأكيد على موقف الحكومة المصرية بالتمسك بحقوق مصر المائية وعدم التهاون فيها.

وأكد وزير الموارد المائية والري هاني سويلم خلال اللقاء دعم مصر لمشروعات التنمية المستدامة في دول حوض النيل، مع ربط ذلك بمراعاة قواعد ومبادئ القانون الدولي المنظمة للمجاري المائية المشتركة وتحقيق المنفعة المتبادلة وعدم الإضرار بمصالح أي طرف، وهو الموقف المعلن من الجانب المصري.

ويقدم مشروع جوليوس نيريري نفسه مثالًا عمليًا على الجمع بين دعم التنمية في دولة أفريقية ومشاركة شركات مصرية في التنفيذ؛ فقد تم افتتاح المشروع رسميًا في أغسطس 2026 بعد تنفيذه بواسطة تحالف المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، قبل أن يعود اسمه مجددًا في مباحثات أكتوبر باعتباره قاعدة يمكن البناء عليها لتوسيع التعاون الاقتصادي بين القاهرة ودار السلام.

ويضع منتدى العلمين هذا المسار داخل إطار أفريقي أوسع، إذ انطلقت دورته الأولى باعتباره منصة تجمع الحكومات ومؤسسات الأعمال والتمويل والقطاع الخاص بهدف بناء شراكات عابرة للحدود وتحويل فرص التعاون إلى استثمارات ومشروعات، على أن يعقد المنتدى بصورة دورية كل عامين وفق المبادرة المصرية التي أقرها الاتحاد الأفريقي.

تم نسخ الرابط