تحرك من حكومة شرق ليبيا وسط استمرار الخلاف بشأن الحقوق البحرية

أزمة حدود مصر وليبيا.. دعوة للتفاوض ومواقف تركية ويونانية وأوروبية

أزمة حدود مصر وليبيا
أزمة حدود مصر وليبيا

دخلت أزمة حدود مصر وليبيا مرحلة جديدة بعد دعوة الحكومة المكلفة من مجلس النواب الليبي، برئاسة أسامة حماد، إلى دعم المفاوضات الفنية مع القاهرة بشأن المسائل الحدودية البرية والبحرية، في أعقاب تصديق البرلمان الليبي على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا. ويأتي التحرك بالتزامن مع تمسك مصر برفض المذكرة، وترحيب أنقرة بإقرارها، ومناقشات مصرية يونانية بشأن توسيع اتفاق تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة، إلى جانب موقف أوروبي معارض. وتكمن أهمية الدعوة الليبية في أنها تطرح مسارًا تفاوضيًا لمعالجة الخلاف، رغم استمرار تأييد السلطات الليبية للمذكرة التركية، دون إعلان اتفاق جديد أو تعديل للحدود البحرية القائمة.

حكومة شرق ليبيا تدعو إلى مفاوضات فنية مع مصر

دعت الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، برئاسة أسامة حماد، البرلمان إلى دعم المسار التفاوضي بين اللجان الفنية الليبية المختصة ونظيراتها المصرية، بهدف معالجة المسائل المرتبطة بالحدود البحرية والبرية ونقاط التماس المتصلة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط.

وبحسب البيان المنسوب إلى الحكومة، فإن معالجة هذه الملفات تتطلب الالتزام بمبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل، والعمل على حلول توافقية تراعي الحقوق والمصالح المشروعة للبلدين وفق قواعد القانون الدولي.

وطالبت الحكومة مجلس النواب باتخاذ ما يراه مناسبًا من خطوات لتهيئة الظروف الملائمة لمواصلة المفاوضات، ودفعها نحو تفاهمات مشتركة تحفظ المصالح المصرية والليبية.

وأوضحت أن موقفها يأتي استكمالًا للبيان رقم 12 لسنة 2026، الذي رحبت فيه بمصادقة مجلس النواب على مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا.

وتبرز أهمية هذه النقطة في أن حكومة شرق ليبيا لم تعلن تراجعها عن تأييد الاتفاق التركي، وإنما طرحت بالتوازي مسارًا للتفاهم مع مصر بشأن المسائل الحدودية العالقة.

ولا يتضمن البيان إعلان تشكيل لجنة مشتركة جديدة أو تحديد موعد لجولة تفاوضية، كما لم يصدر ضمن المعلومات المعلنة اتفاق بشأن إحداثيات بحرية جديدة بين القاهرة والسلطات الليبية.

ما الذي تغير في موقف السلطات الليبية؟

جاءت الدعوة الجديدة بعد تحول مهم في موقف مجلس النواب الليبي، الذي صوّت بالإجماع على اعتماد مذكرة تحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة بين حكومة الوفاق الوطني السابقة وتركيا عام 2019.

وأوضح المتحدث باسم مجلس النواب الليبي، عبد الله بليحق، أن البرلمان ألغى بالتزامن مع التصديق قرارين سابقين صدرا عام 2020، يتعلق الأول برفض مذكرتي التفاهم مع تركيا، بينما يتعلق الثاني بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.

وبذلك انتقل المجلس من رفض الاتفاق إلى اعتماده، دون أن يشمل القرار إعلان تعديل خطوط الترسيم الواردة في المذكرة الأصلية.

ورحبت حكومة أسامة حماد بالتصديق، معتبرة أن الاتفاق يندرج ضمن حماية المصالح الليبية وتعزيز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.

وفي تطور لاحق، دعا بيانها المتعلق بالعلاقات مع مصر إلى دفع المسار التفاوضي بين اللجان المختصة، وهو ما يميز التحرك الجديد عن موقف الترحيب بالمذكرة.

وفي غرب ليبيا، أبدى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة استعداد حكومته لمعالجة الشواغل المصرية المتعلقة بالحدود البحرية والمياه الاقتصادية عبر الحوار والتنسيق.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي مع رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، تناول العلاقات الثنائية والملفات ذات الاهتمام المشترك.

وتكشف مقارنة الموقفين أن الحكومتين الليبيتين تحدثتا عن أهمية الحوار مع القاهرة، لكن من خلال مسارين مختلفين؛ الأول دعوة موجهة إلى مجلس النواب لدعم اللجان الفنية، والثاني تأكيد سياسي على مراعاة الشواغل المصرية خلال الاتصالات الثنائية.

ولا تعني هذه المواقف أن السلطات الليبية تراجعت عن اعتماد المذكرة التركية، أو أنها توصلت إلى صيغة موحدة جديدة لترسيم الحدود مع مصر.

مصر تتمسك برفض الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا

تؤكد وزارة الخارجية المصرية رفض القاهرة القاطع لتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع تركيا، معتبرة أنها باطلة ومعدومة الأثر القانوني بالنسبة إلى مصر.

وترى القاهرة أن المذكرة تخالف مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وأنها تمس حقوقها السيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

وشددت الخارجية المصرية على أن موافقة البرلمان الليبي لا ترتب التزامات قانونية على مصر، ولا تمثل قبولًا منها بخطوط الترسيم الواردة في الاتفاق.

وأكدت كذلك احتفاظ مصر بحق حماية مصالحها البحرية والتصدي لأي إجراءات تستند إلى المذكرة وتتعارض مع الحدود البحرية المصرية المعلنة.

وخلال مباحثات وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظيره التركي هاكان فيدان في إسطنبول، جدد الجانب المصري رفضه التصديق، مؤكدًا أهمية احترام قواعد القانون الدولي ومبادئ الإنصاف في تحديد المناطق البحرية.

ووفق البيان المصري بشأن اللقاء، أبدى الوزير التركي تفهمه للشواغل المصرية وأهمية استمرار التشاور والتنسيق بشأن التطورات الليبية.

غير أن هذا التفاهم بشأن ضرورة الحوار لا يمثل إعلانًا عن اتفاق مصري تركي جديد أو تراجع أنقرة عن المذكرة البحرية الموقعة مع ليبيا.

تركيا تتمسك بالمذكرة وتطرح التعاون البحري مع مصر

أعلنت وزارة الخارجية التركية ترحيبها بتصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة تحديد مناطق الصلاحية البحرية، مؤكدة أنها دخلت حيز التنفيذ بين طرفيها منذ عام 2019.

واعتبرت أنقرة أن الاتفاق يحمي المصالح والحقوق المتبادلة لتركيا وليبيا وفق تفسيرها لمبادئ القانون الدولي والإنصاف، ويسهم في تطوير العلاقات الثنائية.

ويختلف هذا الموقف عن التقييم القانوني المصري، الذي يرفض اعتبار المذكرة منتجة لأي آثار تمس الحقوق البحرية للقاهرة.

وفي سياق متصل، تحدث وزير الدفاع التركي يشار جولر عن استعداد أنقرة لإبرام اتفاق مع مصر بشأن تحديد مناطق الصلاحية البحرية في شرق المتوسط.

وطرح جولر تقديرًا بأن اتفاقًا بحريًا محتملًا مع تركيا قد يمنح مصر مساحة إضافية تصل إلى نحو 15 ألف كيلومتر مربع، مقارنة بالتصور الذي عرضه بشأن الترسيم مع اليونان.

ويظل هذا الرقم تقديرًا معلنًا من الجانب التركي، وليس مساحة بحرية حصلت عليها مصر بالفعل، كما لم يصدر اتفاق جديد أو خريطة حدودية مصرية تركية معتمدة تثبت انتقال هذه المساحة.

وبذلك يجمع الموقف التركي بين التمسك بالمذكرة الليبية وطرح إمكانية التعاون البحري مع القاهرة، رغم استمرار الخلاف القانوني بشأن الاتفاق الأصلي.

تحركات مصرية يونانية بشأن المنطقة الاقتصادية الخالصة

بالتوازي مع التطورات الليبية، طرحت اليونان إمكانية توسيع نطاق اتفاق تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة الموقع مع مصر عام 2020، ليشمل مناطق أبعد شرقًا في اتجاه قبرص.

وأوضح وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس أن البلدين يناقشان إمكانية مد نطاق الاتفاق، مع الالتزام بالقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

وجاء هذا الموقف في أعقاب الاتصالات مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والتي شهدت تجديد رفض الجانبين التصديق الليبي على المذكرة التركية.

وتتمسك اليونان بموقفها الرافض للاتفاق بين أنقرة وطرابلس، معتبرة أنه يتجاهل الحقوق البحرية للجزر اليونانية، ومنها جزيرة كريت، ويؤثر على المطالبات البحرية للدول الأخرى في المنطقة.

وتكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة لأن اتفاق مصر واليونان القائم يغطي جزءًا من المنطقة الاقتصادية الخالصة، بينما لا تزال مسألة امتداده شرقًا مطروحة للنقاش.

ولم تعلن القاهرة وأثينا توقيع اتفاق جديد لتوسيع الحدود البحرية، أو اعتماد إحداثيات إضافية، ما يعني أن الأمر لا يزال في مرحلة التشاور الدبلوماسي.

الاتحاد الأوروبي يرفض التصديق الليبي على الاتفاق التركي

أعلن الاتحاد الأوروبي استمرار رفضه مذكرة التفاهم البحرية بين ليبيا وتركيا، بعد مصادقة مجلس النواب الليبي عليها.

وأكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في بيان مشترك، أن المذكرة تتعارض وفق الموقف الأوروبي مع قانون البحار وتمس الحقوق السيادية لدول أخرى.

وجدد المسؤولان الأوروبيان التضامن مع اليونان وقبرص، مع التأكيد على أهمية احترام القانون الدولي والحفاظ على الاستقرار في شرق البحر المتوسط.

كما صدر بيان باسم الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، أكد أن المذكرة لا يمكن أن ترتب آثارًا قانونية تجاه الدول الأخرى، وفق التقييم القانوني للاتحاد.

ويضع هذا الموقف القضية في إطار إقليمي أوسع، إذ لم تعد الاعتراضات تقتصر على مصر واليونان، وإنما تشمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في مقابل استمرار تمسك تركيا وليبيا بموقفهما من الاتفاق.

ويظل الخلاف متعلقًا بتفسير الحقوق البحرية وحدود الاختصاص الاقتصادي والجرف القاري، دون صدور تسوية دولية جديدة تنهي المطالبات المتعارضة.

هل تشمل المفاوضات الحدود البرية بين مصر وليبيا؟

أشار بيان حكومة شرق ليبيا إلى الحدود البرية والبحرية ونقاط التماس المرتبطة بالمنطقة الاقتصادية الخالصة، لكن هذه الإشارة لا تعني بالضرورة وجود نزاع جديد بشأن السيادة على الحدود البرية بين البلدين.

فالخلاف الذي أثارته مذكرة التفاهم التركية الليبية يتعلق أساسًا بمناطق الصلاحية البحرية في البحر المتوسط، بينما يمثل ملف الحدود البرية مجالًا مختلفًا من حيث طبيعة التنظيم والإجراءات القانونية والفنية.

ولم يتضمن البيان إعلان تغيير مسار الحدود البرية المعترف بها، أو تحديد منطقة برية متنازع عليها، أو صدور اتفاق بإعادة ترسيمها.

أما المفاوضات الفنية بشأن المناطق البحرية، فيمكن أن تتناول تحديد نطاق الحقوق الاقتصادية والجرف القاري ونقاط التماس بين المطالبات البحرية، وفق الاختصاصات التي يتفق عليها الطرفان.

ولا يجوز اعتبار مجرد الدعوة إلى دعم اللجان الفنية دليلًا على بدء مرحلة تنفيذية جديدة قبل إعلان الجهات المصرية والليبية المختصة تفاصيلها.

الخطوة المقبلة في أزمة حدود مصر وليبيا

ترتبط المرحلة المقبلة بموقف مجلس النواب الليبي من الدعوة التي وجهتها حكومة أسامة حماد، وما إذا كان سيتخذ إجراءات تدعم استئناف المباحثات بين اللجان الفنية المختصة.

كما تبقى الاستجابة المصرية لهذه الدعوة عنصرًا مهمًا في تحديد إمكانية الانتقال من البيانات السياسية إلى مفاوضات عملية بشأن المسائل الحدودية.

وفي الوقت نفسه، تستمر الاتصالات الدبلوماسية المصرية مع تركيا واليونان، وسط اختلاف المواقف القانونية من مذكرة 2019 والحقوق البحرية المرتبطة بها.

وحتى الآن، لا يوجد إعلان موثق عن اتفاق مصري ليبي جديد لترسيم الحدود، أو إلغاء التصديق البرلماني الليبي على المذكرة التركية، أو توقيع امتداد نهائي لاتفاق المنطقة الاقتصادية الخالصة بين مصر واليونان.

وبذلك يتمثل التطور الأحدث في دعوة حكومة شرق ليبيا إلى دعم المفاوضات الفنية مع مصر، بالتزامن مع استعداد حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس للحوار، بينما يظل أي تغيير فعلي في الوضع القانوني أو الحدود البحرية مرهونًا باتفاقات وإجراءات لاحقة لم يُعلن عنها.

تم نسخ الرابط