مقترحات لضبط التضخم والديون وترقب قرار الفائدة المقبل

متى يتوقف ارتفاع الدولار في مصر؟ خبراء الاقتصاد يوضحون الأسباب والحلول

متى يتوقف ارتفاع
متى يتوقف ارتفاع الدولار في مصر؟

يرتبط توقف ارتفاع الدولار في مصر بقدرة سوق الصرف على استعادة التوازن بين الطلب على العملة الأجنبية والتدفقات الدولارية، وليس ببلوغ سعر محدد أو صدور قرار منفرد بشأن الفائدة. وجاءت تصريحات ثلاثة خبراء اقتصاديين ومصرفيين لتطرح مسارات مختلفة لمواجهة الضغوط الحالية، بعدما تجاوز الدولار 56 جنيهًا في البنوك، وسط خروج استثمارات أجنبية وتصاعد التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة. وبينما تركز بعض المقترحات على ضبط التضخم وتقليل الاقتراض الخارجي وترشيد الواردات، يرى اتجاه آخر أن استقرار الجنيه يحتاج إلى تحسن الظروف الاقتصادية وعودة الاستثمارات، دون إمكانية تحديد موعد مؤكد لانتهاء موجة الصعود.

لماذا يستمر ارتفاع الدولار في مصر؟

سجل متوسط سعر الدولار لدى البنك المركزي المصري بنهاية التعاملات نحو 56.21 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع، مقابل 55.76 جنيه للشراء و55.90 جنيه للبيع في الإغلاق السابق، بزيادة بلغت نحو 45 قرشًا في كل من السعرين.

وفي البنك الأهلي المصري وبنك مصر والبنك التجاري الدولي، بلغ الدولار 56.22 جنيه للشراء و56.32 جنيه للبيع، بينما سجل بنك قناة السويس ومصرف أبوظبي الإسلامي نحو 56.25 جنيه للشراء و56.35 جنيه للبيع.

وتزامنت التحركات مع ضغوط على سوق أدوات الدين الحكومية نتيجة مبيعات المستثمرين الأجانب، إلى جانب زيادة الطلب على النقد الأجنبي لتغطية الالتزامات الخارجية واحتياجات الاستيراد.

وتضيف التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط والشحن أعباءً أخرى، إذ تؤثر هذه التطورات في تكلفة الواردات وقرارات المستثمرين بشأن الاحتفاظ بأموالهم داخل الأسواق الناشئة.

ويعني ذلك أن معالجة ارتفاع الدولار لا تتوقف عند توفير سيولة مؤقتة، وإنما تشمل أيضًا الحد من الاختلالات التي تؤثر في الطلب على العملة الأجنبية واستقرار تدفقاتها.

خبراء الاقتصاد يطرحون حلولًا مختلفة لوقف صعود الدولار

يرى الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، أن ضبط توقعات التضخم وتقليل الاعتماد على القروض الخارجية يمثلان الأساس للحد من ارتفاع الدولار أمام الجنيه.

وأكد فؤاد أن السيطرة على توقعات الأسعار، بالتزامن مع تقليل الاحتياجات التمويلية الخارجية، تعد من أهم العوامل اللازمة لتحقيق استقرار أكثر استدامة في سوق الصرف.

ويختلف هذا الطرح عن الإجراءات التي تستهدف جذب الدولار لفترة قصيرة، إذ يركز على معالجة الضغوط الاقتصادية التي قد تستمر حتى بعد انتهاء موجة التقلبات الحالية.

وفي اتجاه آخر، حددت الدكتورة حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، ثلاثة مقترحات للتعامل مع ارتفاع الدولار، تبدأ بجذب الاستثمارات إلى أدوات الدين من خلال تقديم عوائد مرتفعة، بما يساعد على زيادة تدفقات النقد الأجنبي.

ويتعلق المقترح الثاني بوقف استيراد بعض السلع التكميلية غير الأساسية وترشيد الطلب على الواردات، بينما يستهدف المقترح الثالث مد آجال بعض المديونيات الخارجية، سواء مع الدول العربية أو من خلال التفاوض بشأن إعادة جدولة التزامات مصر تجاه صندوق النقد الدولي.

وترى رمسيس أن هذه الإجراءات قد تخفف الضغوط على الطلب على الدولار، إلى جانب استمرار تطبيق سياسة مرونة سعر الصرف التي تسمح بتحرك العملة وفق ظروف السوق.

أما محمد عبد العال، الخبير المصرفي، فيستبعد وجود حل فوري يوقف صعود الدولار، مؤكدًا أن هدوء التوترات الجيوسياسية وعودة التدفقات الاستثمارية يمثلان عاملين أساسيين لتحسن وضع الجنيه.

وأوضح أن تراجع الضغوط على سوق الإنتربنك، بالتزامن مع زيادة موارد النقد الأجنبي، قد يسمح بانخفاض الدولار تدريجيًا، لكنه لا يرى إمكانية تحديد موعد قريب ومؤكد لحدوث ذلك.

هل يمكن تطبيق مقترحات جذب الدولار وترشيد الاستيراد؟

تختلف المقترحات الثلاثة من حيث إمكانية التنفيذ وتداعياتها على الاقتصاد، خصوصًا أن جذب الاستثمارات الأجنبية من خلال رفع العائد على أدوات الدين قد يوفر تدفقات مالية، لكنه يرتبط أيضًا بتكلفة التمويل وأعباء خدمة الدين.

وتزداد أهمية هذه النقطة مع تحركات المستثمرين الأجانب الأخيرة في أذون الخزانة، والتي أظهرت أن التدفقات قصيرة الأجل يمكن أن تتغير سريعًا عندما ترتفع المخاطر أو تتبدل اتجاهات الفائدة العالمية.

أما مقترح تقييد استيراد السلع غير الأساسية، فيحتاج إلى التمييز بين الترشيد الطوعي للواردات وفرض قيود إدارية جديدة عليها.

وتوضح وثائق برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي أن السلطات التزمت بعدم فرض أو تشديد قيود على الواردات لأغراض معالجة اختلالات ميزان المدفوعات. وبالتالي فإن أي مقترح بوقف استيراد سلع معينة يحتاج إلى تقييم طبيعته القانونية ومدى اتساقه مع الالتزامات القائمة، ولا يمكن اعتباره إجراءً معتمدًا لمجرد طرحه من أحد الخبراء.

وفي المقابل، أشار صندوق النقد الدولي في مراجعته الأخيرة للبرنامج المصري إلى أهمية إدارة الالتزامات ومد آجال الاستحقاقات بصورة طوعية للحد من احتياجات التمويل ومخاطر إعادة الاقتراض.

لكن التوصية بإدارة آجال الدين لا تعني صدور موافقة على إعادة جدولة مستحقات صندوق النقد نفسه، إذ تتطلب أي ترتيبات من هذا النوع إجراءات واتفاقات منفصلة.

وتكشف هذه الفروق أن الإجراءات المقترحة لا تحقق النتائج نفسها، ولا يمكن اعتبارها قرارات جاهزة للتطبيق أو حلولًا مضمونة لخفض الدولار.

اجتماع البنك المركزي المقبل وتوقعات أسعار الفائدة

تتجه الأنظار إلى اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، وسط اختلاف التقديرات بشأن الاستمرار في تثبيت أسعار الفائدة أو تغييرها استجابة للتطورات الاقتصادية.

وكان البنك المركزي قد أبقى في اجتماعه السابق سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 19%، والإقراض عند 20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.50%.

ويرجح محمد عبد العال استمرار تثبيت أسعار الفائدة، معتبرًا أن خفضها في الظروف الحالية قد يزيد المخاطر المرتبطة بالتضخم وأسعار الطاقة، بينما قد يفرض رفعها أعباء تمويلية إضافية على الشركات والقطاع الخاص.

ويأتي هذا التوقع بالتزامن مع تراجع معدل التضخم السنوي العام في المدن المصرية إلى 13.9% خلال سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، وانخفاض التضخم الأساسي من 14.9% إلى 14.1%، وفق بيانات البنك المركزي.

لكن التضخم الشهري العام ارتفع إلى 1.3% مقابل 0.1% في الشهر السابق، وهو ما يوضح أن انخفاض المعدل السنوي لا يعني انتهاء الضغوط على الأسعار.

ولا يضمن قرار تثبيت الفائدة وحده انخفاض الدولار، كما أن رفعها لا يؤدي تلقائيًا إلى استقرار سعر الصرف، إذ تتوقف النتيجة على حجم الطلب على النقد الأجنبي وحركة المستثمرين والتوقعات المتعلقة بالتضخم.

ولم يصدر قرار الاجتماع المقبل بعد، وتظل توقعات التثبيت آراء مصرفية واقتصادية وليست إعلانًا رسميًا عن اتجاه لجنة السياسة النقدية.

متى يمكن أن يتوقف الدولار عن الارتفاع؟

يتطلب توقف ارتفاع الدولار تحسنًا فعليًا في التوازن بين المعروض من العملة الأجنبية والاحتياجات الدولارية، بما يشمل تراجع ضغوط خروج الاستثمارات، وانتظام التدفقات من الصادرات والسياحة وتحويلات المصريين بالخارج، وتحسن الظروف الجيوسياسية.

وتشير أحدث البيانات الرسمية المتاحة إلى بلوغ صافي الاحتياطيات الدولية نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر، مقابل 57.21 مليار دولار بنهاية أغسطس، وهو تطور يعكس استمرار وجود احتياطيات داعمة للاقتصاد.

لكن ارتفاع الاحتياطي لا يمنع تقلب سعر الصرف، خاصة عندما تتزامن احتياجات سداد الالتزامات الخارجية وتمويل الواردات مع خروج استثمارات أجنبية من السوق المحلية.

وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله قد أكد استمرار الالتزام بمرونة سعر الصرف باعتبارها خط الدفاع الأول أمام الصدمات الخارجية، وهو توجه يسمح بتحرك الدولار صعودًا أو هبوطًا وفق العرض والطلب، بدل الالتزام بسعر ثابت.

وبالنسبة إلى أسعار السلع، قد يؤدي استمرار ارتفاع الدولار إلى زيادة تكلفة بعض الواردات ومدخلات الإنتاج، لكن انتقال هذه الزيادة إلى المستهلك يعتمد على المخزون والتعاقدات وتكاليف التشغيل ومدى اعتماد كل سلعة على المكونات المستوردة.

وتبقى المؤشرات الأهم خلال المرحلة المقبلة هي حركة الاستثمارات الأجنبية، ونتائج قرارات الفائدة، وتطور أسعار الطاقة، ومدى تحسن التدفقات الدولارية مقارنة بالالتزامات الخارجية.

ولا يوجد حتى الآن موعد رسمي أو مستوى سعري معلن يتوقف عنده ارتفاع الدولار في مصر، فيما تظل الحلول التي طرحها الخبراء بين إجراءات نقدية ومالية مقترحة وعوامل اقتصادية وإقليمية تحتاج إلى تحسن فعلي قبل انعكاسها على سوق الصرف.

تم نسخ الرابط