الملصق الإلكتروني يتتبع عمليات التموين وخبير يكشف حدود الرقابة
منظومة جديدة لمراقبة البنزين والسولار.. تجربة بورسعيد لمواجهة السوق السوداء
دخلت منظومة مراقبة توزيع الوقود في مصر مرحلة الاختبار الفعلي بمحافظة بورسعيد، بعد بدء التشغيل التجريبي يوم الأحد 1 نوفمبر 2026، بهدف إحكام الرقابة على صرف البنزين والسولار باستخدام الملصق الإلكتروني المثبت على المركبات. ويأتي التطور الجديد لاستكمال أنظمة متابعة مخزون الوقود وحركته من المستودعات إلى المحطات، بإضافة بيانات عمليات التموين للمستهلك النهائي. لكن تصريحات المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، يوم الاثنين 2 نوفمبر، تطرح تحديًا مهمًا يتعلق بالفارق بين تسجيل كمية الوقود المباعة وإثبات استهلاكها الفعلي داخل المركبات، بينما تؤكد وزارة البترول أن المنظومة لا تفرض حصصًا على المواطنين ولا تغير الأسعار، ولم تعلن حتى الآن نتائج تثبت انخفاض التهريب أو القضاء على السوق السوداء.
كيف تعمل منظومة مراقبة البنزين والسولار الجديدة؟
تعتمد المنظومة الإلكترونية على قراءة بيانات الملصق الإلكتروني الصادر عن وحدات المرور التابعة لوزارة الداخلية، وربطه بعمليات تموين المركبات داخل محطات الوقود.
وتتيح هذه الخطوة تسجيل عمليات صرف البنزين والسولار إلكترونيًا، بما يساعد الجهات المختصة على متابعة أنماط التموين والتعرف على العمليات التي قد تحتاج إلى مراجعة أو تفتيش.
وجاء تصميم النظام بالتنسيق بين وزارات البترول والثروة المعدنية والداخلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ضمن خطة تطوير الرقابة على حركة المنتجات البترولية.
وتكمن أهمية المرحلة الجديدة في إضافة نقطة البيع للمستهلك إلى منظومة المتابعة، بدلًا من اقتصار المعلومات على حركة الشحنات وكميات الوقود الموجودة داخل المستودعات والمحطات.
لكن تسجيل عملية التموين لا يكشف بمفرده كيفية استخدام الوقود بعد مغادرته محطة الخدمة، وهو الفارق الذي أصبح محورًا مهمًا في تقييم قدرة المنظومة على مواجهة السوق السوداء.
ماذا تكشف أنظمة الرقابة السابقة عن مسار الوقود؟
لم تبدأ الرقابة الإلكترونية على المنتجات البترولية مع تجربة بورسعيد، إذ سبق أن وسعت الهيئة المصرية العامة للبترول استخدام أنظمة رقمية لمتابعة المخزون وحركة التداول.
ففي اجتماع مجلس إدارة الهيئة يوم 17 سبتمبر 2026، استعرض المهندس صلاح عبدالكريم، الرئيس التنفيذي للهيئة، التوسع في تطبيق منظومة ATG لمراقبة أرصدة خزانات محطات الوقود.
كما تناول استخدام منظومة RTG لمتابعة أرصدة خزانات مستودعات شحن المنتجات البترولية، إلى جانب مشروع SCADA لمراقبة خطوط شبكة نقل البترول.
وتوضح هذه الأنظمة أن الرقابة تشمل مراحل مختلفة؛ تبدأ بحركة المنتجات داخل شبكات النقل والمستودعات، وتمتد إلى مخزون محطات الوقود.
وتضيف منظومة الملصق الإلكتروني بيانات عملية التموين نفسها، ما يوسع المعلومات المتاحة أمام الجهات الرقابية عند مراجعة حركة البنزين والسولار.
ومع ذلك، لم تعلن وزارة البترول في بيان إطلاق تجربة بورسعيد تفاصيل التكامل الفني بين جميع هذه الأنظمة، أو ما إذا كانت المطابقة بين بيانات المخزون وعمليات التموين تتم تلقائيًا بصورة كاملة.
مستجدات تجربة بورسعيد وعدد المحطات المشاركة
بدأ التشغيل التجريبي في الأول من نوفمبر، وشهدت محطة وقود الإيمان بمنطقة الجولف التابعة لحي الشرق ببورسعيد متابعة ميدانية لآلية تسجيل عمليات التموين.
وخلال التشغيل، يستخدم العاملون أجهزة مخصصة لقراءة الملصق الإلكتروني المثبت على المركبة وتسجيل بيانات عملية التزود بالوقود.
وأوضح المهندس محمود ناجي، المتحدث الرسمي باسم وزارة البترول والثروة المعدنية، أن التجربة تشمل نحو 31 محطة وقود بمحافظة بورسعيد، ضمن خطة اختبار أجهزة قراءة الملصقات وتقييم كفاءة التشغيل.
وحددت الوزارة مدة التجربة بشهر كامل، بهدف استكمال تغطية محطات التموين بالمحافظة وإتاحة الفرصة أمام أصحاب السيارات غير المزودة بالملصق الإلكتروني لتوفيق أوضاعهم.
ولا تعني مشاركة نحو 31 محطة أن جميعها بدأت تسجيل عمليات التموين في التوقيت نفسه، إذ تتضمن المرحلة التجريبية استكمال التجهيزات واختبار الإجراءات الفنية.
ولم تُعلن حتى مساء الثلاثاء 3 نوفمبر حصيلة رسمية لعدد المركبات التي جرى تسجيل تموينها أو حجم الكميات التي تمكن النظام من تتبعها خلال الأيام الأولى.
خبير بترولي يوضح الفارق بين تسجيل الوقود واستهلاكه الفعلي
حذر المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق، في تصريحات صحفية يوم الاثنين 2 نوفمبر، من المبالغة في تقدير قدرة الملصق الإلكتروني على كشف الاستخدام الفعلي للبنزين.
وأوضح أن المنظومة تستطيع تسجيل كميات الوقود التي تحصل عليها المركبة وأنواعها، لكنها لا تستطيع من هذه البيانات وحدها تحديد مقدار ما تستهلكه السيارة أثناء السير.
وأشار إلى أن الوصول لتقدير أدق للاستهلاك يتطلب معرفة المسافات التي تقطعها المركبة، مثل مقارنة قراءة عداد الكيلومترات بين عمليات التموين المتتالية.
ورجح يوسف أن يؤدي إضافة هذا الإجراء إلى إبطاء التموين وزيادة الازدحام، موضحًا أن هذا التقدير يستند إلى اعتبارات تشغيلية وليس إلى مواصفات رسمية معلنة للمنظومة.
وتكشف هذه الملاحظة عن فارق أساسي بين امتلاك سجل إلكتروني لكمية البنزين أو السولار المصروفة، وبين امتلاك دليل يؤكد أن الكمية استُخدمت بالكامل في تشغيل المركبة.
فارتفاع عدد مرات التموين قد يرتبط باستخدام مشروع، مثل العمل في خدمات النقل أو قطع مسافات طويلة، ولا يثبت وحده وجود نشاط غير قانوني.
ولهذا تحتاج الحالات غير المعتادة إلى مراجعة إضافية قبل اعتبارها دليلًا على التهريب أو الاتجار خارج محطات الوقود.
هل تستطيع المنظومة الجديدة إنهاء السوق السوداء؟
تستهدف وزارة البترول الحد من تسرب المنتجات البترولية والتهريب من خلال تحسين البيانات المتاحة للرقابة والتفتيش، لكن القضاء النهائي على السوق السوداء ليس نتيجة مثبتة حتى الآن.
ويرى مدحت يوسف أن الرقابة الإلكترونية يمكن أن تساعد على تقليل بعض الممارسات غير المشروعة، لكنها لا تستطيع وحدها منع جميع صور إعادة بيع الوقود خارج المنظومة الرسمية.
وأشار إلى أهمية إخضاع منافذ تسويق المنتجات البترولية للرقابة، بما في ذلك منافذ البيع غير المرخصة، التي قد تظل خارج نطاق النظام إذا لم تشملها إجراءات الضبط والتفتيش.
كما لفت إلى وجود أنشطة اقتصادية تحتاج إلى الوقود لأغراض لا تقتصر على تشغيل السيارات، ومن بينها بعض المعدات والأنشطة الإنتاجية.
ويعني ذلك أن فاعلية المنظومة تعتمد على مدى قدرتها على تغطية قنوات التوزيع المختلفة، وليس فقط تسجيل عمليات تموين المركبات التي تحمل الملصق الإلكتروني.
ولا توجد بيانات رسمية منشورة تحدد حجم البنزين أو السولار الذي كان يتسرب إلى السوق السوداء قبل التطبيق، أو الكمية التي نجحت التجربة في منع تسربها خلال أيامها الأولى.
أسامة كمال يكشف أهمية بيانات استهلاك الوقود
أكد المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، خلال مداخلة تلفزيونية مساء الاثنين 2 نوفمبر، أن المنظومة تستهدف تحسين الرقابة على توزيع المنتجات البترولية وتحديد احتياجات المناطق المختلفة بصورة أكثر دقة.
وأوضح أن توفير بيانات عن كميات البنزين والسولار المصروفة يساعد على تنظيم إمدادات الوقود، بما يتناسب مع طبيعة الاستهلاك في المحافظات والمناطق المختلفة.
وأشار إلى أهمية متابعة حركة المنتجات البترولية وصولًا إلى المستهلك، خاصة في المناطق التي تحتاج إلى تعزيز الرقابة على عمليات التوزيع.
وشدد على أن المنظومة الجديدة لا تعني فرض حصص محددة على قائدي المركبات، أو منعهم من الحصول على الكميات التي يحتاجون إليها.
وتتفق هذه التصريحات مع بيان وزارة البترول الصادر يوم 31 أكتوبر، الذي فصل بين استخدام البيانات لأغراض الرقابة وبين إصدار قرارات تتعلق بالأسعار أو كميات التموين.
هل تتغير أسعار البنزين والسولار أو تُفرض حصص جديدة؟
أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية أن تشغيل المنظومة الإلكترونية لا يرتبط بتسعير المنتجات البترولية أو تحديد الكميات المنصرفة للمواطنين.
وبالتالي، لا يمثل ربط عمليات التموين بالملصق الإلكتروني إعلانًا عن زيادة أسعار البنزين أو السولار، كما لا يتضمن تخصيص عدد ثابت من اللترات لكل مركبة.
وتختلف مراقبة الكميات التي يحصل عليها المستهلك عن وضع حد أقصى للشراء؛ فالأولى وسيلة لجمع البيانات ومراجعتها، بينما الثانية إجراء تنظيمي منفصل لم تعلنه الوزارة ضمن التجربة الحالية.
كذلك حذر مدحت يوسف من أن فرض حصص مستقبلية دون مراعاة اختلاف استخدامات المركبات والأنشطة الاقتصادية قد يؤدي إلى ظهور سوق موازية بأسعار أعلى.
ويظل هذا التحذير متعلقًا باحتمال افتراضي، وليس بقرار حكومي صدر بالفعل.
موقف السيارات غير المزودة بالملصق الإلكتروني
خصصت وزارة البترول شهر نوفمبر للتشغيل التجريبي، بما يتيح لأصحاب المركبات غير المزودة بالملصق الإلكتروني استكمال إجراءات تركيبه.
وأظهرت المتابعة الميدانية في بورسعيد أن العاملين بالمحطات يطلبون إظهار الملصق لتسجيل عملية التموين، مع تنبيه أصحاب المركبات التي لا تحمله إلى ضرورة توفيق أوضاعهم.
وخلال المرحلة التجريبية، يجري تسجيل رقم المركبة غير المزودة بالملصق في سجل بالمحطة، وفق الإجراءات التي تناولتها التغطيات الميدانية.
وتتيح بوابة مرور مصر التابعة لوزارة الداخلية خدمة إصدار الملصق الإلكتروني ضمن خدمات المركبات، مع إمكانية بدء الإجراءات وسداد الرسوم إلكترونيًا، ثم استكمال التركيب لدى وحدة المرور المختصة.
ورغم تداول تقارير تشير إلى احتمال منع تموين المركبات غير المزودة بالملصق بعد انتهاء المهلة، فإن بيان وزارة البترول الأصلي لم يحدد موعدًا نافذًا لهذا الإجراء أو تفاصيل الاستثناءات المحتملة.
كما أوضح أسامة كمال أن التوك توك والجرارات الزراعية والتروسيكلات يمكنها الاستمرار في التزود بالوقود دون منع فوري بسبب عدم وجود الملصق، وفق التصريحات التي أدلى بها خلال فترة التجربة.
وتبقى أي إجراءات إلزامية جديدة مرتبطة بما ستصدره الجهات المختصة من تعليمات رسمية.
كيف يمكن قياس نجاح تجربة مراقبة الوقود؟
تمثل نتائج التشغيل الفعلي العامل الحاسم في الحكم على مدى نجاح المنظومة، خاصة أن اكتمال تسجيل البيانات لا يعني بالضرورة اكتشاف مخالفات أو منع عمليات تهريب.
وتشمل المؤشرات المهمة حجم عمليات التموين المسجلة إلكترونيًا، ومدى تطابق الكميات المصروفة مع أرصدة المحطات، وعدد الحالات التي استدعت مراجعة الجهات الرقابية.
كما تبرز أهمية التمييز بين العمليات غير المعتادة التي ثبتت مشروعيتها بعد الفحص، والحالات التي كشفت التحقيقات ارتباطها بمخالفات فعلية.
ولا يقل عن ذلك أهمية التأكد من انتظام أجهزة القراءة، وكيفية التعامل مع الأخطاء الفنية، وإجراءات مراجعة البيانات عند تسجيل عملية تموين بصورة غير صحيحة.
ولم تتضمن البيانات الرسمية المتاحة تفاصيل عن مدة الاحتفاظ بسجلات التموين أو آلية اعتراض صاحب المركبة على بيانات مسجلة باسمه، وهي مسائل قد تتضح خلال تطوير النظام.
كذلك لم تعلن وزارة البترول جدولًا زمنيًا نهائيًا لتعميم المنظومة على محافظات أخرى، إذ تظل بورسعيد نطاق التطبيق التجريبي المعلن.
وبذلك تتمثل الإضافة الفعلية للنظام في توسيع الرقابة الإلكترونية لتشمل نقطة صرف البنزين والسولار للمستهلك، بعد تطوير متابعة الخزانات والمستودعات وخطوط النقل.
أما إنهاء السوق السوداء بصورة نهائية، فيحتاج إلى نتائج موثقة تثبت فاعلية الرقابة، وإجراءات تشمل منافذ التداول المختلفة، وقدرة على التمييز بين الاستهلاك المشروع والممارسات غير القانونية، دون تعطيل وصول الوقود إلى المواطنين والأنشطة الاقتصادية.









