اللجنة تجمع الأدلة لكن قيمة التعويض والمسار القانوني لم يُحددا
إثيوبيا تشكل لجنة لحصر 22 مشروعًا تزعم أن مصر عرقلتها وتدرس مطالبات بالتعويض
دخل ملف سد النهضة ونهر النيل مرحلة جديدة في الخطاب الإثيوبي، بعد تشكيل لجنة وطنية لحصر خسائر اقتصادية وفرص تنمية تقول أديس أبابا إنها ترتبط بمشروعات مائية عارضتها مصر. وحدد وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا أكثر من 22 مشروعًا حتى الآن، بينها سد النهضة، لكن الإعلان الإثيوبي لم يتضمن القائمة الكاملة لهذه المشروعات أو قيمة مالية للخسائر أو مبلغًا محددًا مطلوبًا كتعويض، كما لم يعلن بدء دعوى أمام جهة قضائية دولية، ما يضع التحرك حاليًا في مرحلة جمع الأدلة والتقييم الداخلي ودراسة مسارات المطالبة.
ماذا تفعل اللجنة الإثيوبية الجديدة؟
قال هابتامو إيتيفا إن اللجنة تضم خبراء ومسؤولين ووزراء سابقين ومستشارين ومتخصصين قانونيين، وتعمل على توثيق المشروعات التي تعتبر إثيوبيا أنها تعرضت للعرقلة، مع تقدير الخسائر الاقتصادية وفرص التنمية التي تقول إنها ضاعت نتيجة لذلك.
ويمتد نطاق التقييم، وفق الرواية الإثيوبية، إلى ما تعتبره أديس أبابا مساهمات بيئية ومائية قدمتها لدول المصب، ومنها مشروعات التشجير وإدارة الموارد المائية وتنظيم التدفقات، وهي عناصر تريد اللجنة إدخالها ضمن حساب أوسع للتكاليف والمنافع المرتبطة بحوض النيل.
غير أن هذه البنود تمثل في الوقت الحالي طرحًا إثيوبيًا قيد الدراسة، وليست خسائر مالية مثبتة بحكم دولي أو تقديرات جرى الاتفاق عليها بين دول الحوض.
أين قائمة الـ22 مشروعًا؟
أبرز ما لم يكشف عنه الإعلان هو أسماء المشروعات التي يتجاوز عددها 22 مشروعًا.
فالبيان الإثيوبي ذكر سد النهضة بالاسم، لكنه لم ينشر قائمة تفصيلية بالمشروعات الأخرى أو تواريخها أو الجهات التي كانت ستنفذها أو المرحلة التي وصلت إليها، كما لم يحدد طبيعة الإجراء المصري الذي تعتبره أديس أبابا عرقلة لكل مشروع على حدة.
ويمثل غياب هذه البيانات فارقًا مهمًا عند تقييم المطالبات، لأن الانتقال من اتهام سياسي عام إلى مطالبة مالية أو قانونية يحتاج إلى تحديد المشروعات والأضرار والعلاقة السببية بين الإجراء المنسوب إلى الطرف الآخر والخسارة التي تتم المطالبة بتعويض عنها.
هل طالبت إثيوبيا بمبلغ تعويض محدد؟
لم يعلن وزير المياه والطاقة الإثيوبي رقمًا لقيمة التعويضات التي قد تطالب بها بلاده، ولم يتضمن الإعلان جدولًا ماليًا للخسائر المقدرة أو موعدًا لإعلان النتائج النهائية للجنة.
وقال الوزير إن التفاوض والتفاهم المتبادل يمثلان المسار المفضل لإثيوبيا، مع الإشارة إلى وجود سيناريوهات أخرى يمكن بحثها لاحقًا، دون تحديد جهة قضائية أو تحكيمية بدأت أديس أبابا بالفعل إجراءات أمامها.
وبذلك تختلف المرحلة الحالية عن صدور مطالبة مالية نهائية؛ فاللجنة ما زالت تجمع الأدلة وتبحث أساس المطالبات والخيارات المتاحة، بينما لم تتحول الأرقام أو الادعاءات حتى الآن إلى حكم أو التزام مالي على مصر.
الموقف المصري من التنمية في حوض النيل
في المقابل، تقول القاهرة رسميًا إن خلافها لا يتعلق بحق دول حوض النيل في التنمية، وإنما بالإجراءات الأحادية في إدارة مورد مائي عابر للحدود دون تعاون وإخطار وتشاور يضمن عدم وقوع ضرر ذي شأن.
وأكد بيان مشترك لوزارتي الخارجية والموارد المائية والري أن مصر تعتبر الأمن المائي والتنمية هدفين يمكن تحقيقهما معًا، وتتمسك بإدارة الموارد المشتركة وفق القانون الدولي ومبادئ التعاون وعدم الإضرار.
ويقدم الموقف المصري أيضًا أمثلة على مشاركته في مشروعات تنموية داخل دول الحوض، إذ أشارت الحكومة إلى تنفيذ مشروعات في مجالات المياه والسدود والآبار والخزانات والحماية من الفيضانات، إلى جانب إطلاق آلية تمويلية بمخصصات مبدئية قدرها 100 مليون دولار لدراسة وتنفيذ مشروعات في دول حوض النيل الجنوبي وفق أولويات تلك الدول.
وهذه النقطة تمثل جوهر الخلاف بين الروايتين؛ فإثيوبيا تقول إن مصر عارضت مشروعات عطلت فرصًا تنموية، بينما تقول القاهرة إن اعتراضها يتركز على الإجراءات الأحادية التي قد تمس مصالح دول المصب، مع تأكيدها دعم مشروعات التنمية التي تراعي قواعد إدارة الأنهار الدولية.
سد النهضة يبقى في قلب الخلاف
إدراج سد النهضة ضمن قائمة المشروعات التي تحصرها اللجنة يربط ملف التعويضات مباشرة بالخلاف الأوسع حول النيل الأزرق.
وتعتبر إثيوبيا السد مشروعًا تنمويًا سياديًا يساهم في توليد الكهرباء وتنظيم التدفقات، فيما تتمسك مصر بضرورة وجود قواعد متفق عليها لإدارة السد خلال الظروف المائية المختلفة، خصوصًا في سنوات الجفاف، وترفض التشغيل الأحادي دون اتفاق قانوني ملزم.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أكد في 29 سبتمبر 2026، قبل الإعلان الإثيوبي الجديد بيومين، أن مصر ما زالت تمنح الدبلوماسية والحلول السلمية مساحة في التعامل مع قضية السدود الإثيوبية، مع التأكيد في الوقت نفسه على حماية الأمن المائي المصري.
ما الذي تغير في الأزمة؟
الجديد ليس عودة الخلاف حول سد النهضة بحد ذاته، وإنما محاولة إثيوبيا توسيع الملف من خلاف بشأن الملء والتشغيل والسدود الجديدة إلى تقييم اقتصادي تقول إنه يشمل أكثر من 22 مشروعًا وفرصًا تنموية ضائعة.
لكن المرحلة الحالية لا تزال أولية؛ فلا توجد قائمة كاملة منشورة للمشروعات، ولا رقم نهائي للخسائر، ولا قيمة تعويض محددة، ولا إعلان عن حكم أو إجراء قضائي دولي ملزم.
وبالتالي فإن التطور المؤكد حتى الآن هو إنشاء آلية إثيوبية داخلية لجمع الأدلة وبناء ملف للمطالبات المحتملة، بينما ستتحدد أهمية الخطوة التالية وفق ما إذا كانت أديس أبابا ستنشر تفاصيل المشروعات والأرقام والأساس القانوني، وما إذا كان الملف سينتقل من التقييم الداخلي إلى مفاوضات رسمية أو مسار دولي.









