مستوى المعيشة والخدمات والمحاسبة معايير تتجاوز أسماء المرشحين

بدلًا من سؤال من يخلف السيسي.. ما أولويات المواطن للرئيس المقبل؟

ما أولويات المواطن
ما أولويات المواطن للرئيس المقبل؟

لم يعد النقاش حول الرئيس المقبل في مصر مقتصرًا على سؤال من سيخلف الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعدما أكد أن ولايته الحالية تنتهي في عام 2030، مشددًا على عدم المساس بالدستور لتمديد بقائه في المنصب. فإلى جانب التساؤلات السياسية بشأن أسماء المرشحين المحتملين، يبرز سؤال آخر يستحق اهتمامًا مماثلًا: ما الذي ينبغي أن يقدمه أي رئيس مقبل للمواطن المصري؟ الإجابة لا تبدأ بالأسماء، وإنما ببرامج قابلة للتنفيذ تعالج مستوى المعيشة والأسعار والأجور وفرص العمل وجودة التعليم والصحة، مع تحديد مصادر التمويل ومواعيد التنفيذ وآليات المحاسبة. وهذه أولويات يمكن مناقشتها وتقييمها دون افتراض معرفة هوية الرئيس القادم أو نتائج الانتخابات.

من يخلف السيسي؟ سؤال الأسماء لا يكفي لفهم المستقبل

حملت تصريحات الرئيس السيسي بشأن انتهاء ولايته في 2030 رسالة واضحة عن الإطار الزمني الحالي لرئاسته، بالتزامن مع طرح تصور لإعداد كوادر مؤهلة لتحمل المسؤوليات القيادية في مؤسسات الدولة.

وتفتح هذه التصريحات نقاشًا بشأن مستقبل الإدارة العامة واستمرارية المؤسسات، لكنها لا تتضمن اختيار شخصية بعينها لتولي الرئاسة بعد انتهاء الولاية.

ويظل اختيار رئيس الجمهورية خاضعًا للدستور والقانون والانتخابات، ولا يعني الحديث عن تأهيل قيادات جديدة أن منصب الرئيس المقبل قد حُسم أو أن المشاركة في برنامج تدريبي أصبحت شرطًا للترشح.

لكن اختزال النقاش العام في البحث عن اسم جديد قد يحجب أسئلة أكثر ارتباطًا بمستقبل السياسات العامة: هل يمتلك المرشح برنامجًا اقتصاديًا محددًا؟ وما موقفه من أولويات الإنفاق؟ وكيف يعتزم تطوير الخدمات العامة؟ وما الآليات التي تسمح بمحاسبته على تعهداته؟

هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن معرفة الخلفية المهنية والسياسية لأي مرشح. فالقدرة على إدارة الدولة تحتاج إلى كفاءة وخبرة، لكنها تتطلب أيضًا برنامجًا واضحًا، واختصاصات دستورية محددة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ السياسات ومراقبة نتائجها.

الأجور والأسعار.. الاختبار الاقتصادي لأي رئيس مقبل

يبدأ أحد أهم محاور تقييم البرامج الرئاسية من العلاقة بين دخل الأسرة وتكلفة احتياجاتها الأساسية، وهي علاقة لا يمكن اختزالها في قرار بزيادة الرواتب أو إعلان تراجع معدل التضخم.

وتوضح بيانات البنك المركزي المصري طبيعة هذا التحدي. فقد انخفض معدل التضخم السنوي العام في المدن إلى 13.9% في أحدث قراءة رسمية لشهر سبتمبر، مقابل 14.5% في القراءة السابقة.

ويعني انخفاض معدل التضخم تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، وليس بالضرورة تراجع الأسعار التي يدفعها المستهلك بالفعل. وهذا الفارق ضروري عند تقييم أي برنامج اقتصادي يتعهد بتحسين القدرة الشرائية.

فزيادة الأجر بنسبة معينة لا تكفي وحدها للحكم على تحسن المعيشة إذا ارتفعت تكاليف الغذاء والسكن والمواصلات والخدمات بوتيرة تلتهم جانبًا كبيرًا من الزيادة.

ومن هنا تبرز أهمية أن يوضح أي برنامج رئاسي مستقبلي كيف سيوازن بين استقرار الأسعار ونمو الأجور والإنتاجية، وما الأدوات التي سيستخدمها لتوسيع النشاط الاقتصادي وتوفير موارد مستدامة لتحسين الدخل.

كما أن التعامل مع الدين العام يمثل جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة؛ فارتفاع تكلفة خدمة الدين يضغط على الموارد المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمار، بينما تتطلب معالجة المديونية سياسات مالية واقتصادية متوازنة لا تقتصر على إعلان أهداف عامة.

والاختبار الاقتصادي الأكثر دقة لا يقف عند حجم الأموال المخصصة أو المشروعات المعلنة، بل يمتد إلى نتائجها: هل ارتفع الدخل الحقيقي؟ وهل تحسنت فرص العمل؟ وهل أصبحت الخدمات الأساسية أكثر إتاحة وجودة دون تحميل الأسر أعباء غير متناسبة؟

فرص العمل والتعليم والصحة.. ما الذي يحتاج إلى برنامج قابل للقياس؟

لا يقتصر مستقبل مستوى المعيشة على الرواتب والأسعار، إذ يرتبط أيضًا بنوعية الوظائف التي يستطيع الاقتصاد توفيرها، ومدى توافق التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل.

وتعني زيادة فرص العمل أكثر من الإعلان عن عدد وظائف جديدة؛ فهناك فرق بين وظيفة مستقرة توفر دخلًا مناسبًا وحماية اجتماعية، وعمل مؤقت لا يمنح صاحبه القدرة على التخطيط لحياته.

ولهذا فإن تقييم أي برنامج للرئيس المقبل يحتاج إلى النظر في طبيعة فرص العمل المستهدفة، والقطاعات التي ستوفرها، ومدى مساهمة الصناعة والاستثمار والمشروعات الصغيرة في توفير وظائف منتجة.

ويمتد الأمر إلى التعليم، حيث لا يكفي قياس التطور بعدد المدارس والفصول الجديدة وحده، رغم أهميته في التوسع بالخدمة، بل يجب النظر أيضًا إلى مستوى التحصيل الدراسي وتأهيل المعلمين وقدرة الخريجين على اكتساب مهارات يحتاج إليها سوق العمل.

وفي القطاع الصحي، ينبغي التمييز بين التوسع في التغطية الصحية وبين قدرة المواطن على تلقي خدمة فعلية في الوقت المناسب، من حيث توافر الأطباء والأدوية وتجهيزات المستشفيات وتكاليف العلاج.

ولا يعني طرح هذه المعايير تجاهل ما أُنجز خلال السنوات الماضية، كما لا يمثل حكمًا مسبقًا على أداء أي حكومة. وإنما يوفر أساسًا لمقارنة البرامج المستقبلية بنتائج يمكن التحقق منها، بدل الاكتفاء بحجم الإنفاق أو عدد المبادرات.

بين الوعود والنتائج.. كيف يمكن محاسبة الرئيس المقبل؟

تكشف التجارب السياسية والإدارية أن صياغة الأهداف العامة أسهل من تحويلها إلى التزامات قابلة للمراجعة. ولذلك لا تكفي عبارات مثل تحسين المعيشة أو تطوير التعليم أو جذب الاستثمار دون تحديد ما تعنيه عمليًا.

ويمكن تقييم أي تعهد انتخابي من خلال ثلاثة أسئلة مترابطة: ما النتيجة المحددة التي يَعِد البرنامج بتحقيقها؟ وما الموارد والصلاحيات والإجراءات اللازمة لتنفيذها؟ ومتى يمكن قياس ما تحقق ومقارنته بالوضع السابق؟

فالوعد بإنشاء مستشفيات جديدة، على سبيل المثال، يختلف عن التعهد بخفض فترات انتظار العلاج أو زيادة عدد الأطباء المتاحين للمرضى. كما أن الإعلان عن فرص استثمارية يختلف عن قياس الوظائف المستدامة التي نتجت عنها.

وتزداد أهمية هذه المعايير عندما يتعلق الأمر بملفات متشابكة، مثل الدعم والحماية الاجتماعية والإصلاح الضريبي والدين العام، لأن القرارات في أحدها قد تترك آثارًا مباشرة على بقية الملفات.

وفي المقابل، لا تقع مسؤولية النتائج على رئيس الجمهورية وحده؛ فتنفيذ السياسات يرتبط بالحكومة والبرلمان والإدارة المحلية والجهات الرقابية، كلٌّ وفق اختصاصاته الدستورية والقانونية.

ومن ثم فإن البرنامج الجاد يحتاج إلى توضيح الأدوار المؤسسية وآليات نشر البيانات ومراجعة الأداء، بما يسمح بتحديد المسؤولية عن النجاح أو التعثر بصورة دقيقة.

الحقوق والحريات والمشاركة السياسية ضمن معايير التقييم

لا تكتمل مناقشة أولويات الرئيس المقبل من زاوية الاقتصاد والخدمات وحدهما؛ فهناك جانب مؤسسي يتعلق بسيادة القانون والحقوق والحريات العامة وفاعلية المشاركة السياسية.

ويشمل ذلك ضمان تطبيق القواعد القانونية بصورة متساوية، ووضوح إجراءات التقاضي، وإتاحة المعلومات العامة، وقدرة المؤسسات المنتخبة والرقابية على ممارسة اختصاصاتها.

كما تبرز أهمية وجود مجال للنقاش العام يسمح بعرض وجهات النظر المختلفة بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية، ومراجعة آثارها قبل اتخاذ القرارات وبعد تنفيذها.

ولا يتعارض الاهتمام باستقرار الدولة مع مناقشة هذه الملفات، بل يمكن التعامل معها باعتبارها عناصر مترابطة في تقييم جودة الإدارة العامة وقدرتها على الاستجابة للمشكلات.

وتظل المواقف من السياسات المختلفة موضع اختلاف مشروع بين القوى السياسية والمواطنين، وهو ما يجعل وضوح البرامج ووجود معلومات دقيقة شرطين أساسيين للمقارنة الواعية بينها.

مصر بعد 2030.. الأهم من اسم الرئيس هو ما يمكن قياسه

يمنح حديث السيسي عن انتهاء ولايته الحالية فرصة لنقاش أوسع بشأن نوعية البرامج والسياسات التي تحتاجها مصر خلال المرحلة المقبلة، من دون القفز إلى أسماء لم تعلن ترشحها أو التكهن بنتيجة انتخابات لم تُجرَ بعد.

وقد تختلف الأولويات من مواطن إلى آخر؛ فالعامل قد يمنح الأجور وفرص العمل اهتمامًا أكبر، بينما تنشغل أسرة أخرى بالتعليم والعلاج والسكن، ويهتم صاحب مشروع بتكلفة التمويل واستقرار التشريعات. ولا توجد بيانات تسمح بفرض ترتيب واحد لهذه الملفات باعتباره رأي جميع المصريين.

لكن يمكن الاتفاق على أهمية وجود معايير معلنة لتقييم أي برنامج رئاسي: أهداف محددة، وتمويل واضح، وجدول زمني واقعي، وبيانات متاحة لقياس النتائج، وآليات قانونية ومؤسسية للمساءلة.

وهنا تتغير طبيعة السؤال السياسي من محاولة معرفة اسم الرئيس المقبل إلى البحث في الخيارات والبرامج التي ستُطرح أمام الناخبين، ومدى قدرتها على التعامل مع تحديات الدولة والمجتمع.

فالاسم يحدد من سيتولى المسؤولية، أما البرنامج وطريقة تنفيذه ونتائجه فتحدد ما يمكن أن يتغير في حياة المواطنين. وبين السؤالين مساحة ضرورية لنقاش عام جاد يستند إلى الحقائق بدل التوقعات.

تم نسخ الرابط