حكمان قضائيان يكشفان أهمية مدة الغلق ومستندات استهلاك الكهرباء والغاز
الإيجار القديم.. شروط إخلاء الشقة المغلقة وأثر فواتير المرافق
دخل تطبيق قانون الإيجار القديم مرحلة قضائية جديدة، بعدما استندت محكمة شمال القاهرة الابتدائية إلى بيانات استهلاك الكهرباء والغاز في الحكم بإخلاء شقة ثبت تركها مغلقة لأكثر من سنة دون مبرر، بينما رفضت دائرة أخرى دعوى مماثلة بعد تقديم المستأجر مستندات تفيد استمرار استخدام المرافق وعدم كفاية أدلة الغلق. وتوضح القضيتان أن فواتير المرافق قد تؤثر في نتيجة النزاع، لكنها ليست سببًا مستقلًا للطرد، إذ تشترط المادة السابعة من القانون رقم 164 لسنة 2025 إثبات ترك الوحدة مغلقة لمدة تزيد على سنة دون مبرر. ويظل الفصل في طلب الإخلاء مرتبطًا بمدة الغلق والأدلة المقدمة وظروف كل حالة.
حكم بإخلاء شقة مغلقة بعد مراجعة استهلاك الكهرباء والغاز
قضت الدائرة 38 إيجارات بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية بإنهاء عقد إيجار شقة سكنية بمنطقة الزيتون، وإلزام المستأجر بإخلائها وتسليمها إلى المالك خالية من الأشخاص والشواغل، في الدعوى رقم 4489 لسنة 2025 إيجارات كلي شمال القاهرة.
وتعود العلاقة الإيجارية إلى عقد مؤرخ في مايو 1976، بينما استند المالك في دعواه إلى ترك الوحدة مغلقة لمدة تزيد على سنة دون مبرر، إلى جانب ادعائه امتلاك المستأجر مسكنًا آخر.
وبحسب التفاصيل المنشورة للحكم، أظهرت المستندات المقدمة للمحكمة عدم وجود استهلاك حقيقي للكهرباء والغاز بالشقة خلال فترة ممتدة من عام 2015 إلى عام 2026، وهو ما استندت إليه المحكمة عند بحث استمرار غلق العين المؤجرة.
وانتهت المحكمة إلى توافر سبب الإخلاء المرتبط بترك الوحدة مغلقة دون مبرر للمدة التي حددها القانون، وقضت بانتهاء عقد الإيجار وتسليم الشقة إلى المالك، مع إلزام المستأجر بالمصروفات و75 جنيهًا مقابل أتعاب المحاماة.
وتكشف هذه الواقعة أهمية امتداد سجلات الاستهلاك عبر فترة زمنية طويلة، بدلًا من الاعتماد على فاتورة واحدة أو انخفاض مؤقت في استهلاك الكهرباء.
كما تبرز ضرورة التمييز بين إثبات غلق الوحدة وبين إثبات امتلاك المستأجر شقة أخرى؛ فالمادة السابعة تعتبر كل حالة سببًا مستقلًا للإخلاء، ولا تشترط اجتماعهما.
وقد تفاوتت التغطيات المنشورة للحكم في تحديد مدى ثبوت ملكية وحدة بديلة، بينما اتفقت على صدور حكم الإخلاء وارتباط النزاع بغلق الشقة. ولذلك لا يصح الجزم بأن المحكمة أثبتت السببين معًا دون الرجوع إلى كامل الحيثيات المعتمدة.
لماذا رفضت محكمة أخرى إخلاء شقة إيجار قديم؟
في المقابل، قضت الدائرة الثانية عشرة إيجارات بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية برفض دعوى إخلاء أقامها ورثة مالك وحدة سكنية مؤجرة بعقد قديم يرجع إلى عام 1974.
وتعلقت الدعوى، المقيدة برقم 1130 لسنة 2026، بادعاء ترك المستأجر الشقة مغلقة لمدة تتجاوز السنة، فضلًا عن امتلاكه وحدة سكنية أخرى يمكن استخدامها في الغرض نفسه.
ووفق التفاصيل المنشورة، قدم المستأجر مستندات تضمنت إيصالات سداد الأجرة وبيانات استهلاك للكهرباء والغاز خلال ثلاثة أشهر متتالية، في مواجهة الادعاء بعدم استخدام العين المؤجرة.
ولم تجد المحكمة في الأوراق ما يكفي لإثبات التخلي عن الشقة أو تحقق شروط الإخلاء، كما لم يثبت أمامها امتلاك المستأجر وحدة بديلة تستوفي المتطلبات القانونية.
وانتهى الحكم إلى رفض الدعوى وإلزام المدعين بالمصروفات ومبلغ 70 جنيهًا مقابل أتعاب المحاماة.
وتوضح المقارنة بين القضيتين أن اختلاف النتائج لم ينشأ عن تغيير في القانون، وإنما ارتبط بالأدلة المقدمة والوقائع التي فصلت فيها كل دائرة.
ففي القضية الأولى، استند طلب الإخلاء إلى فترة طويلة من عدم الاستهلاك الفعلي، بينما تضمنت القضية الثانية مستندات تشير إلى استخدام المرافق، ولم تقتنع المحكمة بكفاية الأدلة على تحقق سبب الإخلاء.
ولا يعني الحكم الرافض للإخلاء أن سداد الأجرة يمنع تطبيق المادة السابعة في جميع الأحوال، كما لا يعني الحكم الآخر أن انعدام استهلاك المرافق يؤدي تلقائيًا إلى الطرد.
هل فواتير الكهرباء والغاز دليل قانوني كافٍ للإخلاء؟
تحدد المادة السابعة من قانون الإيجار القديم رقم 164 لسنة 2025 ثلاثة عناصر أساسية في حالة الشقة المغلقة: ثبوت ترك الوحدة، واستمرار الغلق لمدة تزيد على سنة، وعدم وجود مبرر لهذا الوضع.
ولم ينص القانون على مقدار محدد لاستهلاك الكهرباء أو المياه أو الغاز يترتب على انخفاضه إنهاء العقد، كما لم يجعل قراءة العداد الصفرية سببًا مستقلًا للإخلاء.
ولهذا تعد سجلات المرافق من الأدلة التي يمكن الاستناد إليها لإثبات واقعة الغلق، لكنها تخضع لتقدير المحكمة مع بقية المستندات والظروف المرتبطة بالوحدة.
وتختلف دلالة عدم الاستهلاك بحسب طبيعة الاشتراك والفترة المسجلة، إذ لا يمكن مساواة غياب استهلاك الغاز في شقة غير متصلة أصلًا بالشبكة بوجود عداد غاز قائم تظهر سجلاته توقف الاستهلاك لفترة طويلة.
كذلك فإن استهلاك الكهرباء بكميات محدودة لا يثبت وحده إقامة المستأجر بصورة مستمرة، مثلما لا يكفي انخفاض الاستهلاك لإثبات تركه العين مغلقة دون مبرر.
ويكتسب عنصر المدة أهمية خاصة، لأن القانون اشترط أن تزيد فترة الغلق على سنة، وليس مجرد مرور عدة أشهر على آخر استخدام ظاهر للوحدة.
أما عنصر المبرر، فيقتضي بحث الظروف التي أدت إلى غلق الشقة، ومدى وجود مستندات تؤيد تفسير أحد طرفي النزاع لعدم استخدامها خلال الفترة محل الدعوى.
كيف يحصل المالك على شهادات استهلاك المرافق؟
أثار استخدام سجلات الكهرباء والغاز في دعاوى الإيجار القديم تساؤلات بشأن حق مالك العقار في الحصول على بيانات العدادات المسجلة بأسماء المستأجرين.
وكان مصطفى عبد الرحمن، ممثل اتحاد ملاك الإيجار القديم، قد طالب الحكومة بتسهيل إصدار إفادات رسمية من شركات الكهرباء والمياه والغاز، لمساعدة الملاك في إثبات حالات غلق الوحدات أمام القضاء.
لكن هذه المطالبة لا تمثل قرارًا حكوميًا يسمح بالاطلاع المباشر على بيانات أي مشترك، كما أن ملكية العقار لا تمنح صاحبها تلقائيًا صلاحية الحصول على جميع سجلات المرافق المرتبطة بالمستأجر.
وفي توضيحات منشورة نقلًا عن مصدر قانوني بإحدى شركات توزيع الكهرباء، فإن إصدار شهادات الاستهلاك لاستخدامها في المنازعات القضائية يجري بناءً على تصريح أو إذن من المحكمة المختصة، مع خضوع قيمتها في الإثبات لتقدير القاضي.
وتنظم المادة 26 من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية رقم 25 لسنة 1968 إمكانية أن تأذن المحكمة أثناء سير الدعوى بإدخال طرف ثالث لإلزامه بتقديم محرر موجود لديه، وفق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون.
وتتيح هذه القاعدة بحث طلب تقديم سجلات من جهة تحتفظ بها، متى كانت لها صلة بالنزاع وتوافرت المتطلبات القانونية، دون أن تعني الموافقة التلقائية على كل طلب.
كما تبرز أهمية تحديد فترة الاستهلاك المطلوب إثباتها، لأن النزاع بشأن ترك الشقة مغلقة لأكثر من سنة يختلف عن طلب معرفة قيمة الاستهلاك خلال شهر واحد.
متى يحق للمالك طلب إخلاء الشقة قبل انتهاء السنوات السبع؟
نصت المادة الثانية من القانون رقم 164 لسنة 2025 على انتهاء عقود الإيجار السكنية المشمولة بأحكامه بعد سبع سنوات من بدء العمل بالقانون، مقابل خمس سنوات للأماكن المؤجرة للأشخاص الطبيعيين لغير غرض السكنى، ما لم يتراضَ الطرفان على الإنهاء قبل ذلك.
ومع ذلك، أجازت المادة السابعة طلب الإخلاء قبل انتهاء المدة الانتقالية عند ثبوت ترك الوحدة مغلقة لأكثر من سنة دون مبرر، أو عند ثبوت امتلاك المستأجر أو من امتد إليه العقد وحدة أخرى قابلة للاستخدام في الغرض نفسه.
ولا يقتصر تطبيق النص على المستأجر الأصلي، بل يشمل أيضًا من امتد إليه عقد الإيجار وفقًا للأحكام القانونية المنظمة لذلك.
وفي حالة امتناع المستأجر عن الإخلاء بعد تحقق أحد الأسباب القانونية، يحق للمالك أو المؤجر طلب إصدار أمر بالطرد من قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة التي يقع العقار في دائرتها.
ويحتفظ المستأجر بحقه في رفع دعوى موضوعية أمام المحكمة المختصة، إلا أن المادة السابعة نصت على أن إقامة هذه الدعوى لا يترتب عليها، بمجرد رفعها، وقف أمر قاضي الأمور الوقتية.
ولا تسمح هذه الأحكام للمالك باسترداد الشقة بالقوة أو اتخاذ إجراءات فردية لطرد المستأجر خارج الإطار القضائي.
ويبقى التمييز ضروريًا بين صدور حكم ابتدائي بالإخلاء وبين صيرورته نهائيًا، إذ لم تتوافر معلومات مؤكدة بشأن انتهاء جميع طرق الطعن في الحكمين المشار إليهما.
وتوضح التطبيقات القضائية الحديثة أن المسألة الأساسية في منازعات الشقق المغلقة ليست وجود فواتير كهرباء أو غاز من عدمه، وإنما مدى كفاية الأدلة لإثبات الغلق طوال المدة القانونية دون مبرر، وهو الشرط الذي يرتبط به الفصل في طلب الإخلاء.









