صعود برنت يرفع مخاطر الاستيراد والتضخم مع استمرار أزمة هرمز
النفط قرب 100 دولار مع توترات هرمز.. ضغوط محتملة على الموازنة والأسعار في مصر
اقتربت أسعار النفط من حاجز 100 دولار للبرميل خلال تعاملات الاثنين 7 سبتمبر 2026، بعدما صعد خام برنت إلى أعلى مستوى له في نحو ستة أسابيع، وسط تصاعد جديد للتوترات المرتبطة بالملاحة وناقلات النفط في منطقة مضيق هرمز. وبالنسبة لمصر، لا تعني القفزة العالمية زيادة فورية ومؤكدة في أسعار الوقود المحلية، لكنها ترفع تكلفة توفير الخام والمنتجات المستوردة وتزيد الضغط المحتمل على احتياجات النقد الأجنبي والموازنة وتكاليف النقل والإنتاج إذا استمرت لفترة طويلة، خاصة مع ابتعاد السوق عن مستوى 75 دولارًا الذي استخدم عند إعداد تقديرات موازنة 2026-2027.
كم سجل سعر النفط اليوم؟
تحرك خام برنت خلال جلسة الاثنين قرب حاجز 100 دولار، وبلغ في إحدى مراحل التداول نحو 98.06 دولار للبرميل، قبل أن يسجل نحو 97.13 دولار، بارتفاع يقارب 0.9%، وفق أحدث بيانات نقلتها رويترز.
كما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى نحو 92.63 دولار للبرميل، في ظل استمرار المخاوف من اضطراب أكبر في الإمدادات وحركة الشحن بالشرق الأوسط.
وجاء الصعود بعد تجدد المواجهات المرتبطة بناقلات النفط والسفن في المنطقة، بينما تراجعت حركة المرور عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها منذ مايو، ما أعاد علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى أسعار الطاقة.
لماذا يمثل مضيق هرمز خطرًا على سوق النفط؟
أهمية هرمز لا ترتبط بالموقع الجغرافي فقط، وإنما بحجم الطاقة التي تعبر من خلاله.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، بما يعادل قرابة خُمس استهلاك السوائل البترولية عالميًا.
وتوضح البيانات نفسها محدودية قدرة خطوط الأنابيب البديلة على تعويض كامل الكميات التي يمكن أن تتعطل إذا تراجعت حركة الملاحة بصورة حادة.
ومع استمرار النزاع خلال 2026، هبط متوسط تدفقات النفط عبر هرمز إلى نحو 4.9 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من العام، مقارنة بنحو 21.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأخير من 2025، وفق بيانات أحدث لإدارة معلومات الطاقة.
هل يتجه النفط إلى 100 دولار؟
تجاوز مستوى 100 دولار أصبح سيناريو قريبًا حسابيًا بعد اقتراب برنت من 98 دولارًا، لكن الوصول إليه أو الاستقرار فوقه يظل مرتبطًا بمسار الإمدادات والملاحة خلال الأيام المقبلة.
ويرى الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن استمرار اضطراب هرمز لفترة أطول وتحوله من مجرد مخاطر مرتفعة على حركة الشحن إلى نقص فعلي ومستمر في الإمدادات سيزيد فرص تجاوز النفط مستوى 100 دولار.
ويكمن الفارق الأساسي في مدة الأزمة؛ فارتفاع البرميل فوق مستوى مرتفع لعدة جلسات يختلف اقتصاديًا عن استقراره عند هذه المستويات لأسابيع أو أشهر.

جولدمان ساكس يحذر من سيناريو 120 دولارًا
رفع التصعيد الأخير سقف السيناريوهات المطروحة في أسواق الطاقة.
وحذر بنك جولدمان ساكس من إمكانية ارتفاع النفط إلى نحو 120 دولارًا للبرميل إذا تصاعدت الهجمات على حركة الشحن في الشرق الأوسط واتسع نطاق تعطيل الإمدادات.
وقال دان سترويفن، الرئيس المشارك لأبحاث السلع العالمية في البنك، إن التطورات الأخيرة تزيد احتمال اتساع اضطرابات الشحن، بينما يطرح البنك في الاتجاه المقابل سيناريو تراجع النفط إلى نحو 80 دولارًا إذا عادت صادرات المنطقة إلى طبيعتها.
وبالتالي فإن مستوى 120 دولارًا ليس توقعًا أساسيًا مؤكدًا، وإنما سيناريو مرتبط بتفاقم الاضطرابات بصورة أكبر.
ماذا عن اتفاق إيران وعمان بشأن هرمز؟
في مقابل مخاطر التصعيد، توجد تحركات تهدف إلى توفير مسار أكثر أمانًا للملاحة.
وقالت إيران إن المفاوضات مع سلطنة عمان بشأن تحديد مسارات آمنة عبر مضيق هرمز وصلت إلى مراحل متقدمة، مع العمل على إنشاء ممر مؤقت يسمح بحركة السفن.
لكن هذه المفاوضات لا تعني حتى الآن عودة الملاحة بالكامل إلى مستوياتها الطبيعية، كما أن إعادة فتح المضيق بصورة أوسع ما تزال مرتبطة بتطورات سياسية وأمنية أخرى في المنطقة.
وهو ما يفسر استمرار علاوة المخاطر في أسعار النفط رغم وجود اتصالات دبلوماسية.
سعر النفط في موازنة مصر
تزداد حساسية الصعود الحالي بالنسبة لمصر لأن مشروع موازنة العام المالي 2026-2027 أُعد في الأصل على أساس سعر تقديري لبرميل النفط يبلغ نحو 75 دولارًا.
وقال وزير المالية أحمد كجوك عند عرض تفاصيل الموازنة إن هذا المستوى يمثل تقديرًا استرشاديًا استخدم في حسابات الإنفاق، مع بناء احتياطيات لمواجهة المخاطر والتقلبات.
وفي يونيو، أوضح الوزير أن الحكومة ستراجع الفرضيات الأساسية، ومن بينها سعر خام برنت وسعر الصرف، للتعامل مع المتغيرات التي طرأت بعد إعداد الموازنة.
ويعني تداول برنت حاليًا قرب 97 دولارًا وجود فارق يتجاوز 20 دولارًا للبرميل مقارنة بالسعر الذي استخدم في التقديرات الأولية للموازنة.
كيف يضغط النفط المرتفع على الموازنة؟
لا ينتقل أثر ارتفاع النفط إلى الموازنة عبر قناة واحدة.
فالارتفاع يزيد أولًا تكلفة الخام والمنتجات البترولية التي تحتاج مصر إلى شرائها من الخارج، كما يمكن أن يرفع تكلفة توفير الطاقة والكهرباء والنقل إذا استمرت الأسعار المرتفعة.
وتزداد الضغوط إذا قررت الدولة امتصاص جزء من الارتفاع وعدم تمريره سريعًا إلى المستهلك، لأن جزءًا أكبر من فرق التكلفة يتحول في هذه الحالة إلى عبء تتحمله المالية العامة أو الجهات الاقتصادية المعنية.
وتبلغ المصروفات المعتمدة في موازنة الدولة للعام المالي 2026-2027 نحو 5.188 تريليون جنيه، بينما تستهدف الحكومة عجزًا كليًا عند 4.9% من الناتج المحلي، ما يجعل أي صدمة ممتدة في الطاقة أحد المخاطر التي تحتاج إلى إدارة داخل حسابات الإنفاق.
هل ترتفع أسعار البنزين والسولار تلقائيًا؟
لا.
صعود أسعار النفط عالميًا لا يعني أن سعر البنزين أو السولار في مصر يتغير في اللحظة نفسها.
وحتى إعداد التقرير لم يصدر قرار جديد بتعديل الأسعار المحلية بسبب تحركات جلسة 7 سبتمبر، وتظل الأسعار الرسمية المعلنة عند 20.75 جنيه للتر لبنزين 80، و22.25 جنيه لبنزين 92، و24 جنيهًا لبنزين 95، و20.50 جنيه للسولار.
ويخضع التسعير المحلي لمنظومة تتأثر بتكلفة الخام والمنتجات المستوردة وسعر الصرف والشحن والتأمين والإنتاج المحلي، وليس بسعر برنت في جلسة واحدة.
ولهذا فإن العامل الأهم ليس مجرد وصول النفط إلى 100 دولار، وإنما متوسط السعر ومدة بقائه عند مستويات مرتفعة.
كيف ينتقل ارتفاع النفط إلى الأسعار في مصر؟
إذا استمرت أسعار النفط المرتفعة، يمكن أن ينتقل أثرها تدريجيًا إلى الاقتصاد عبر تكلفة النقل والطاقة والشحن.
فالوقود عنصر داخل تكلفة نقل معظم السلع، كما تدخل الطاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات.
ويؤدي ارتفاع النقل والشحن والتأمين إلى زيادة تكلفة وصول المواد الخام والسلع المستوردة، ويمكن أن تنتقل أجزاء من هذه الزيادة إلى المستهلك النهائي.
وبالتالي فإن الخطر التضخمي لا يرتبط فقط بأسعار الوقود التي يدفعها صاحب السيارة، بل يمتد إلى تكلفة تشغيل الشركات ونقل الغذاء والسلع ومدخلات الإنتاج.
النفط والنقد الأجنبي
يمثل الاستيراد القناة الثانية التي تجعل ارتفاع أسعار النفط مهمًا للاقتصاد المصري.
كلما ارتفعت القيمة الدولارية لواردات الخام والوقود مع ثبات الكميات، احتاجت الجهات المستوردة إلى تدبير مبالغ أكبر من النقد الأجنبي.
ومن ثم يمكن لصعود النفط لفترة ممتدة أن يرفع الضغط على فاتورة الواردات والحساب الجاري، خاصة إذا لم يقابله نمو موازٍ في عوائد الصادرات البترولية أو مصادر النقد الأجنبي الأخرى.
وأشار قطاع البترول نفسه في أكثر من مناسبة إلى أن خفض الفاتورة الاستيرادية يمثل هدفًا أساسيًا لخطط زيادة الإنتاج المحلي ورفع كفاءة معامل التكرير.
هل تستفيد مصر أيضًا من ارتفاع النفط؟
الصورة ليست في اتجاه واحد بالكامل.
فمصر لديها إنتاج محلي من البترول والغاز ومنتجات يتم تكريرها أو تصديرها، وبالتالي يمكن لارتفاع الأسعار العالمية أن يدعم قيمة بعض العوائد البترولية أو المنتجات المصدرة.
لكن هذه الاستفادة لا تعني بالضرورة تعويض كامل الزيادة في تكلفة الاستيراد، لأن النتيجة النهائية تتوقف على الكميات المصدرة والمستوردة وأسعار المنتجات المختلفة وتكلفة الغاز والوقود والشحن.
ولهذا فإن صافي الأثر يحتاج إلى النظر إلى ميزان الطاقة بالكامل وليس سعر الخام وحده.
زيادة الإنتاج المحلي تقلل جزءًا من الخطر
تحركت وزارة البترول خلال الأشهر الأخيرة لزيادة الإنتاج وتشغيل معامل التكرير بمعدلات أعلى بهدف تقليص الاحتياجات من الخارج.
وأوضحت الوزارة في أغسطس أن زيادة إمدادات الخام إلى معامل التكرير رفعت معدلات التشغيل وساعدت على زيادة الإنتاج المحلي وانخفاض كميات السولار المستوردة.
كما سجلت شركة أنربك إنتاجًا يقارب مليوني طن من البنزين عالي الأوكتان خلال العام المالي 2025-2026، بما يمثل أكثر من 30% من الإنتاج المحلي، وفق بيانات الوزارة.
وتعد زيادة الإنتاج المحلي أحد خطوط الدفاع أمام تقلبات السوق العالمية، لأنها تقلل كمية المنتجات التي تحتاج الدولة إلى شرائها بالدولار، لكنها لا تعزل الاقتصاد بالكامل عن سعر النفط العالمي.
متى يتحول النفط المرتفع إلى خطر على النمو؟
المستوى السعري وحده ليس العامل الوحيد.
فالاقتصادات تستطيع التعامل مع ارتفاع قصير في النفط بصورة مختلفة عن صدمة تمتد لعدة أشهر.
ويؤكد مدحت نافع أن المخاطر تصبح أكبر عندما تستقر الأسعار المرتفعة لفترة طويلة، لأن التأثير ينتقل في الوقت نفسه إلى التضخم والدخل الحقيقي للمستهلك والاستثمار وتكاليف الشركات.
وفي هذا السيناريو يمكن أن يجتمع ارتفاع الأسعار مع ضعف النشاط الاقتصادي، وهي البيئة التي ترفع مخاطر ما يعرف بالركود التضخمي.
كما أظهرت تحركات الأسواق العالمية الاثنين أن ارتفاع النفط أعاد بالفعل مخاوف التضخم إلى الواجهة، مع تأثر الأسهم والسندات وتوقعات الفائدة.
ماذا يحدث إذا وصل النفط إلى 120 دولارًا؟
إذا وصل البرميل إلى 120 دولارًا لفترة ممتدة، يصبح الفارق عن التقديرات التي بنيت عليها الموازنة أكبر بكثير، وتتسع معه الضغوط المحتملة على فاتورة استيراد الطاقة.
كما يمكن أن ترتفع تكاليف الشحن والتأمين والمنتجات المكررة بالتزامن مع الخام، وهو ما يجعل الأثر النهائي أكبر من مجرد حساب الزيادة في سعر البرميل.
ويصبح أمام السياسة الاقتصادية عندها أكثر من قناة للتعامل مع الصدمة، منها استخدام الاحتياطيات المخصصة للمخاطر، وزيادة الإنتاج المحلي، وخفض الاستيراد، وإدارة آلية تسعير الوقود، إلى جانب التعامل مع أي موجة تضخمية ناتجة عن ارتفاع التكلفة.
لكن سيناريو 120 دولارًا يظل مرتبطًا بتصعيد أكبر في الملاحة والإمدادات وليس نتيجة مؤكدة للمشهد الحالي.

الخطر الأكبر هو مدة بقاء الأسعار مرتفعة
الاقتراب من 100 دولار في جلسة واحدة لا يحدد وحده حجم التأثير على مصر.
العامل الحاسم هو ما إذا كانت الأزمة في هرمز ستتراجع ويعود جزء أكبر من الإمدادات إلى السوق، أم تستمر القيود والهجمات بما يبقي النفط والمنتجات البترولية عند مستويات مرتفعة لعدة أشهر.
وفي الحالة الثانية تتوسع دائرة التأثير من فاتورة استيراد الطاقة إلى احتياجات النقد الأجنبي وتكاليف النقل والإنتاج والتضخم والموازنة، وقد تمتد لاحقًا إلى معدلات الاستهلاك والاستثمار والنمو.
أما تراجع التوتر وعودة الملاحة والإمدادات تدريجيًا فيمكن أن يخفف علاوة المخاطر ويعيد جزءًا من أسعار النفط إلى مستويات أقل، وهو ما يفسر اتساع نطاق السيناريوهات المطروحة حاليًا بين عودة الخام إلى قرب 80 دولارًا وصعوده في حالة التصعيد إلى 120 دولارًا.