أرقام المركزي تكشف استقرار الصرف مقابل استمرار ضغوط الأسعار
من الدولار إلى أسعار السلع.. عمرو أديب يقيّم أداء الاقتصاد ويحذر من الضغوط
جمع عمرو أديب في تقييمه للاقتصاد المصري بين إشادة بإدارة سوق العملة وتحذير من استمرار الضغوط على أسعار السلع ومستويات المعيشة، معتبرًا أن محافظ البنك المركزي نجح في تحقيق قدر من التوازن بسوق الصرف رغم تداعيات الأزمة الإيرانية الأمريكية. وتظهر أحدث البيانات الرسمية صورة مزدوجة تدعم أهمية الفصل بين استقرار سوق العملة وبين مسار الأسعار؛ فسعر الدولار لدى البنك المركزي أنهى تعاملات 24 سبتمبر قرب 51.73 جنيه للشراء و51.83 جنيه للبيع، بينما تراجع التضخم العام في أغسطس إلى 14.5%، في الوقت الذي ارتفع فيه التضخم الأساسي إلى 14.9%.
ماذا قال عمرو أديب عن الاقتصاد المصري؟
أديب قال خلال برنامج «الحكاية» مساء الجمعة 25 سبتمبر إن تقارير أشادت بقدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع تداعيات الأزمة الإيرانية الأمريكية، وربط ذلك بما وصفه بنجاح محافظ البنك المركزي في خلق توازن بسوق العملة. لكنه انتقل في الوقت نفسه إلى انتقاد حركة الأسعار داخل السوق، معتبرًا أن الزيادات تحدث بصورة أسرع وأكثر وضوحًا من الانخفاضات.
ولم يسمِّ أديب، في النص المنشور لتصريحاته، الجهات أو التقارير التي استند إليها عند الحديث عن الإشادة بأداء الاقتصاد، ولذلك يبقى هذا الجزء من حديثه تقييمًا منسوبًا إليه ولا يمكن نسبه إلى مؤسسة اقتصادية بعينها دون مصدر محدد.
كما تحدث عن التذبذب داخل الأسواق والضغوط الخارجية، وربط ارتفاع تكاليف بعض السلع بتأثير مباشر على مستويات المعيشة، مستخدمًا أسعار البيض مثالًا على زيادات شهدها السوق. وهذه الملاحظات تمثل تقييمًا إعلاميًا لحركة الأسعار، وليست بديلًا عن مؤشرات التضخم الرسمية التي تقيس سلة أوسع من السلع والخدمات.
الدولار والاحتياطي.. ماذا تقول أحدث أرقام المركزي؟
أحدث سعر رسمي منشور قبل عطلة الجمعة يضع الدولار لدى البنك المركزي في 24 سبتمبر عند 51.7303 جنيه للشراء و51.8303 جنيه للبيع، مقابل 51.8660 جنيه للشراء و51.9660 جنيه للبيع في 21 سبتمبر. ويعني ذلك أن الجنيه أنهى الفترة أقوى بنحو 14 قرشًا تقريبًا أمام الدولار وفق سعر البنك المركزي، رغم التحركات التي شهدها الأسبوع.
وهذه الحركة لا تثبت بمفردها تقييمًا شاملًا للاقتصاد، لكنها تقدم مؤشرًا مباشرًا على أن سوق الصرف لم يشهد انفلاتًا خلال الأيام الأخيرة، وهو الجانب الذي ركز عليه أديب في حديثه عن «توازن العملة».
كما ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، مقابل 56.2939 مليار دولار في نهاية يوليو، بزيادة تقارب 921 مليون دولار خلال شهر. ولا يعني ارتفاع الاحتياطي تلقائيًا ثبات سعر الصرف مستقبلاً، لكنه يعكس تحسنًا في أحد أهم هوامش السيولة الأجنبية المتاحة للاقتصاد.
وسجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج 29.7 مليار دولار خلال الشهور السبعة الأولى من 2026 وفق أحدث بيانات البنك المركزي المنشورة في 21 سبتمبر، وهو مورد آخر للنقد الأجنبي يدخل ضمن الصورة الأوسع لتدفقات العملة الصعبة.
الأسعار لا تتحرك في اتجاه واحد
تحذير أديب من الضغوط المعيشية يأتي في وقت تعطي فيه مؤشرات التضخم إشارات مختلفة، وهو ما يمنع اختزال الصورة في القول إن جميع الأسعار تتجه للصعود بالوتيرة نفسها أو أن الضغوط انتهت.
البنك المركزي سجل تراجع التضخم العام السنوي في المدن إلى 14.5% خلال أغسطس، مقابل 14.9% في يوليو، أي انخفاضًا بمقدار 0.4 نقطة مئوية. في المقابل ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد بعض العناصر الأكثر تقلبًا، إلى 14.9% مقابل 14.7% في يوليو.
ويعني هذا التباين أن انخفاض معدل التضخم العام لا يساوي بالضرورة انخفاض المستوى العام للأسعار؛ فالتضخم يقيس سرعة الزيادة، ويمكن للأسعار أن تظل مرتفعة حتى مع تباطؤ معدل نموها. وفي الوقت نفسه، ارتفاع التضخم الأساسي بصورة محدودة يشير إلى استمرار ضغوط داخل مكونات أقل تقلبًا من السلة.
وتتقاطع هذه الصورة مع حديث سابق لعمرو أديب قبل أيام عن أن المشكلة الأساسية للمواطن ترتبط بما يستطيع شراؤه بالدخل وليس بقيمة الراتب وحدها، وهي زاوية سبق أن ظهرت في حديثه عن تكلفة معيشة الأسرة والقدرة الشرائية.

تثبيت الفائدة يعكس استمرار الحذر
قبل ساعات من تصريحات أديب، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في اجتماع 24 سبتمبر الإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير، ليستمر سعر الإيداع لليلة واحدة عند 19% والإقراض عند 20% وسعر العملية الرئيسية عند 19.5%.
وجاء القرار في إطار تقييم تطورات التضخم والمخاطر المحيطة به، بينما سبق للبنك المركزي أن وضع التوترات الإقليمية وتقلب أسعار الطاقة واضطرابات الإمدادات ضمن المخاطر الصعودية لمسار الأسعار. وبالتالي فإن حديث أديب عن الضغوط الخارجية له سياق اقتصادي قائم بالفعل، لكن تحديد حجم تأثير الأزمة الإيرانية الأمريكية على الاقتصاد المصري يحتاج إلى بيانات وقياسات مستقلة ولا يُحسم بمجرد التقييم الإعلامي.
وتبقى الصورة الحالية أقرب إلى مسارين متوازيين: سوق صرف أظهر قدرًا من الاستقرار النسبي خلال الأسبوع الأخير مع ارتفاع الاحتياطي وتدفقات النقد الأجنبي، وفي المقابل استمرار معدل تضخم يتجاوز 14% وضغوط معيشية لم تختفِ بمجرد هدوء الدولار.
ولهذا فإن تقييم عمرو أديب يلفت إلى مفارقة مهمة في الوضع الاقتصادي الحالي: تحقيق استقرار نسبي في العملة لا يعني انتقال الأثر فورًا إلى أسعار السلع، كما أن تباطؤ التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. والفاصل بين المسارين سيظل مرتبطًا بحركة سعر الصرف والطاقة وسلاسل الإمداد وقرارات السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.









