دراسات تاريخية تكشف مشروعات مائية وخلافات سياسية تعود لعهد عبد الناصر

أحمد موسى يستعرض وثائق بريطانية وأمريكية عن مياه النيل وإثيوبيا

أحمد موسى يستعرض
أحمد موسى يستعرض وثائق بريطانية وأمريكية عن مياه النيل

أعاد الإعلامي أحمد موسى طرح ملف وثائق بريطانية وأمريكية عن مياه النيل، خلال تناوله الخلفيات التاريخية للخلافات المائية بين مصر وإثيوبيا، وما ارتبط بها من ضغوط سياسية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وتكشف مراجعة السجلات التاريخية عن مسارين مختلفين؛ الأول يتعلق بتصورات بريطانية لاستخدام مياه النيل خلال أزمة قناة السويس عام 1956، والثاني دراسة أمريكية أُنجزت عام 1963 ونُشرت عام 1964، تناولت 33 مشروعًا للري وتوليد الكهرباء في حوض النيل الأزرق بإثيوبيا، وليس 33 سدًا منفصلًا. ويأتي تجدد الحديث عن هذه الملفات بالتزامن مع تصريحات لوزير الري المصري بشأن تعثر مفاوضات سد النهضة.

ماذا تكشف الوثائق البريطانية عن مياه النيل في عهد عبد الناصر؟

تناول أحمد موسى، خلال برنامج «على مسئوليتي» المذاع على قناة صدى البلد، الخلفيات السياسية لأزمة مياه النيل، مشيرًا إلى وثائق تاريخية تحدثت عن محاولات استخدام الموارد المائية للضغط على مصر خلال فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر.

وربط الإعلامي بين هذه التحركات وأزمة قناة السويس التي أعقبت قرار تأميمها عام 1956، معتبرًا أن مياه النيل كانت حاضرة ضمن الحسابات السياسية للقوى الدولية التي دخلت في خلافات مع القاهرة.

وتشير الوثائق والسجلات التاريخية إلى أن بريطانيا ناقشت بالفعل إمكان توظيف موارد النيل في سياق الضغوط على الحكومة المصرية، ومن بين التصورات التي خضعت للدراسة التحكم في تدفقات المياه عند سد شلالات أوين في أوغندا.

ويقع هذا السد على منظومة النيل الأبيض، وهي نقطة مهمة تختلف عن موقع المشروعات الإثيوبية المرتبطة بالنيل الأزرق.

وتكشف السجلات البرلمانية البريطانية أن النقاش بشأن سد شلالات أوين وصل إلى مجلس العموم، حيث تناول النواب إمكان استخدام المنشأة المائية للضغط على مصر، في ظل التوتر السياسي الذي صاحب أزمة السويس.

لكن الحكومة البريطانية أوضحت، خلال مناقشة برلمانية في نوفمبر 1956، أنها لا تعتزم التدخل في الأنشطة المشروعة للمهندسين المصريين المرتبطة بالسد، وفق الترتيبات القائمة آنذاك.

وكانت مصر وبريطانيا قد أبرمتا اتفاقًا بشأن إنشاء وإدارة سد شلالات أوين عام 1949، تضمن ترتيبات للتشاور والتعاون في تشغيل المنشأة وتنظيم الاستفادة من المياه.

ويعني ذلك أن وجود تصور بريطاني للضغط باستخدام النيل لا يثبت تنفيذه، كما أن السجلات المنشورة لا تسمح باعتبار قطع المياه عن مصر إجراءً وقع بالفعل خلال أزمة قناة السويس.

حقيقة الوثائق الأمريكية عن إنشاء 33 سدًا في إثيوبيا

يمثل الرقم 33 أحد أبرز التفاصيل المرتبطة بالدراسات الأمريكية القديمة عن حوض النيل الأزرق، والتي أعاد أحمد موسى الحديث عنها ضمن تناوله التاريخ السياسي للمشروعات المائية الإثيوبية.

وتعود هذه الدراسات إلى تعاون فني بين مكتب الاستصلاح الأمريكي التابع لوزارة الداخلية الأمريكية والجهات الإثيوبية المختصة، خلال الفترة من 1958 إلى 1963، قبل نشر التقرير النهائي عام 1964.

وحمل التقرير عنوان «موارد الأراضي والمياه في حوض النيل الأزرق بإثيوبيا»، وتناول إمكانات إنشاء مشروعات للري وتوليد الطاقة الكهربائية والاستفادة من الموارد المائية في المنطقة.

وتكشف الدراسات الأكاديمية التي حللت التقرير أن المشروعات المقترحة بلغ عددها 33 مشروعًا، شملت 14 مشروعًا للري، و11 مشروعًا لتوليد الكهرباء، وثمانية مشروعات متعددة الأغراض تجمع بين الاستخدامين.

وهنا يظهر الفارق بين وصف الخطة بأنها تتضمن 33 سدًا، وبين مضمون الدراسات التي تناولت 33 مشروعًا مائيًا متنوعًا، بعضها يرتبط بالسدود وبعضها الآخر بالري أو إنتاج الطاقة.

كما تضمنت الدراسات أربعة مواقع رئيسية لمشروعات كهرومائية على المجرى الأساسي للنيل الأزرق، هي كارادوبي ومابيل ومندايا ومشروع الحدود، المعروف تاريخيًا باسم «بوردر».

وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة لأن موقع مشروع الحدود ارتبط لاحقًا بموقع سد النهضة الإثيوبي، مع وجود اختلافات بين التصورات الهندسية القديمة والمشروع الذي جرى تنفيذه.

ورغم ذلك، لا يعني وجود دراسات أمريكية مبكرة أن جميع المشروعات المقترحة نُفذت، أو أن التصميم النهائي لسد النهضة كان قد اعتُمد خلال الستينيات.

العلاقة بين أزمة قناة السويس والخطط المائية في إثيوبيا

تكشف المقارنة بين الوثائق البريطانية والأمريكية اختلافًا في التوقيت وطبيعة المشروعات والجهات التي تناولتها.

فالتحركات البريطانية ارتبطت بأزمة سياسية مباشرة مع مصر بعد تأميم قناة السويس، وشملت مناقشات بشأن استخدام الموارد المائية ضمن وسائل الضغط المحتملة على حكومة عبد الناصر.

أما الدراسة الأمريكية الإثيوبية، فتناولت تقييم الإمكانات الفنية والاقتصادية لمشروعات المياه والطاقة في حوض النيل الأزرق، وامتدت أعمالها لعدة سنوات.

وتظهر وثائق وزارة الخارجية الأمريكية من تلك المرحلة أن قضايا تمويل السد العالي وتقاسم مياه النيل والعلاقات المصرية الغربية كانت متداخلة مع الحسابات الدبلوماسية المتعلقة بالمنطقة.

لكن هذا التداخل التاريخي لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة أمريكية بريطانية مشتركة ومستمرة استهدفت حرمان مصر من مياه النيل عبر جميع المشروعات الإثيوبية.

ويبقى التفريق بين دراسة المشروع، واعتماد تنفيذه، والهدف السياسي المنسوب إليه ضروريًا لفهم الوثائق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمقترحات لم تتحول جميعها إلى منشآت قائمة.

تصريحات أحمد موسى السابقة بشأن مخططات مياه النيل

لم يكن تناول أحمد موسى للوثائق البريطانية مرتبطًا بهذه المناسبة وحدها، إذ سبق أن تحدث خلال برنامجه في يوليو 2021 عن تقرير استعرض وثائق تاريخية تتعلق بتصورات إثيوبية لتحويل مياه النيل الأزرق باتجاه البحر الأحمر خلال الستينيات.

كما تناول في تصريحات لاحقة مخاوفه من التوسع في إنشاء سدود إثيوبية جديدة، معتبرًا أن القضية لا تتعلق بإنتاج الكهرباء فقط، وإنما ترتبط أيضًا بإدارة تدفقات المياه إلى دول المصب.

وتظل هذه القراءة موقفًا إعلاميًا منسوبًا إلى أحمد موسى، بينما يحتاج تحديد المقاصد السياسية لأي مشروع مائي إلى أدلة مستقلة تتجاوز مجرد وجود دراسة هندسية أو تمويل فني أجنبي.

ولا يثبت وجود هذه الوثائق التاريخية أن جميع المشروعات المائية الإثيوبية الحالية نشأت لأسباب سياسية، كما لا ينفي وجود خلافات حقيقية حول آثار تشغيل السدود على الموارد المشتركة.

أحدث موقف رسمي مصري من سد النهضة ومفاوضات إثيوبيا

تزامن تجدد الحديث عن تاريخ المشروعات المائية مع تصريحات للدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، خلال فعاليات منتدى مصر 2026، تناول فيها أسباب تعثر المفاوضات بشأن سد النهضة.

وأوضح الوزير أن مصر تعاملت مع الملف عبر مسارات تفاوضية متعددة، من بينها اتفاق إعلان المبادئ والمحادثات التي استضافتها واشنطن، مؤكدًا أن تلك المسارات لم تنته إلى اتفاق نهائي ملزم بشأن السد.

وقال سويلم إن الجانب الإثيوبي لم ينفذ اتفاق إعلان المبادئ وفق تقييم الحكومة المصرية، وإن المفاوضات وصلت إلى مرحلة دفعت القاهرة إلى عدم الاستمرار فيها، وهو موقف سبق أن أعلنته مصر قبل تصريحاته الأخيرة.

وتحدث الوزير عن المشروعات المصرية التي تستهدف تقليل تأثير الضغوط المائية على المواطنين، موضحًا أن حجم المياه المعالجة والمعاد استخدامها بلغ 23.2 مليار متر مكعب سنويًا، وفق الأرقام الحكومية المعلنة.

كما أكد أهمية التعاون مع دول حوض النيل، مشيرًا إلى مشروعات مصرية للمياه والحماية من الفيضانات وتبادل الخبرات الفنية، إلى جانب إمكانية تطوير الربط الكهربائي بين دول الحوض.

وفي المقابل، تتمسك إثيوبيا بموقفها القائل إن سد النهضة مشروع تنموي لتوليد الكهرباء، بينما تؤكد مصر ضرورة تنظيم عمليات التشغيل والتعاون بين الدول المتشاطئة ومنع وقوع أضرار جسيمة على دول المصب.

وتظل هذه المواقف جزءًا من خلاف سياسي وفني وقانوني معاصر، لا يمكن حسمه بالاستناد إلى الوثائق التاريخية وحدها.

وبذلك تكشف مراجعة الوثائق التي تناولها أحمد موسى عن تاريخ طويل لتداخل السياسة مع مشروعات مياه النيل، مع ضرورة التمييز بين ما طُرح في الدراسات القديمة وما نُفذ بالفعل، وبين أهداف التنمية المعلنة والتفسيرات السياسية المتعارضة حولها.

تم نسخ الرابط