سيامة 1962 دشنت أول أسقفية للتعليم في تاريخ الكنيسة

في تذكار سيامته أسقفًا للتعليم.. 64 عامًا على خدمة البابا شنودة معلم الأجيال

البابا شنودة الثالث..
البابا شنودة الثالث.. 64 عامًا على سيامته أول أسقف للتعليم

تحل اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026 الذكرى الرابعة والستون لسيامة مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث أسقفًا للتعليم المسيحي والتربية الكنسية، بعدما سامه القديس البابا كيرلس السادس في 30 سبتمبر 1962 باسم الأنبا شنودة، ليصبح أول أسقف للتعليم في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. ولم تكن السيامة مجرد محطة في مسيرته الشخصية قبل وصوله إلى الكرسي المرقسي، بل مثلت تحولًا مؤسسيًا في منظومة التعليم الكنسي، وهو ما وصفه البابا تواضروس الثاني لاحقًا باعتباره انتقالًا إلى مرحلة «الفكر الاستراتيجي» الذي يحكم منظومة التعليم.

وتكتسب الذكرى هذا العام بعدًا إضافيًا، إذ أعادت الكنيسة خلال سبتمبر 2026 التأكيد على أثر البابا شنودة في المسيرة التعليمية، عندما أشار الأنبا هرمينا، خلال حفل تخريج دفعة جديدة من الكلية الإكليريكية بالإسكندرية، إلى الدور الذي قام به البابا شنودة في جعل الإكليريكية محورًا رئيسيًا للتعليم داخل الكنيسة القبطية.

من أنطونيوس السرياني إلى الأنبا شنودة

بدأت رحلة البابا شنودة الثالث قبل الأسقفية بسنوات طويلة من التعليم والخدمة. وُلد باسم نظير جيد روفائيل في 3 أغسطس 1923، واهتم منذ شبابه بالتعلم والأدب والصحافة والتعليم الكنسي، قبل أن يترهب في دير السيدة العذراء السريان في 18 يوليو 1954 باسم الراهب أنطونيوس السرياني.

وفي عام 1959 اختاره البابا كيرلس السادس سكرتيرًا خاصًا له، قبل أن تأتي محطة 30 سبتمبر 1962 التي انتقل فيها إلى مسؤولية كنسية جديدة باسم الأنبا شنودة أسقف التعليم المسيحي والتربية الكنسية. وتؤكد السيرة الرسمية للكنيسة أنه كان أول من حمل مسؤولية أسقفية التعليم في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

لماذا كانت سيامة 1962 مختلفة؟

تكمن أهمية الحدث في أن إنشاء أسقفية متخصصة للتعليم نقل الملف من نطاق النشاط التعليمي والخدمي إلى مسؤولية أسقفية مستقلة لها دور مباشر في صياغة الرؤية التعليمية داخل الكنيسة.

وفي احتفالية مئوية مدارس الأحد عام 2018، وضع البابا تواضروس الثاني إنشاء أسقفية التعليم سنة 1962 ضمن المحطات الكبرى لتاريخ التعليم الكنسي، معتبرًا أنها جاءت بعد مراحل الاهتمام بالعلم والمعلم والمتعلم، ثم أضافت مستوى جديدًا يقوم على وجود رؤية استراتيجية لمنظومة التعليم، وعُهد بهذه المهمة إلى الأنبا شنودة.

ويمنح هذا التوصيف ذكرى السيامة معنى يتجاوز الاحتفال بتاريخ شخصي؛ فالحدث كان جزءًا من إعادة تنظيم الخدمة المتخصصة في عهد البابا كيرلس السادس، وهو ما عاد البابا شنودة نفسه للحديث عنه بعد أكثر من أربعة عقود من سيامته.

ماذا قال البابا شنودة عن يوم سيامته؟

في سبتمبر 2005، وخلال احتفال جمع بين اليوبيل الذهبي لمعهد الدراسات القبطية والذكرى الثالثة والأربعين لسيامته، عاد البابا شنودة الثالث بنفسه إلى تفاصيل بدايات خدمته كأسقف للتعليم، وتحدث عن نشأة الأسقفيات العامة ودور التعليم والخدمات باعتبارهما من أولى المجالات التي أخذت هذا الشكل التنظيمي.

ولم يكتف البابا في حديثه باستعادة الذكريات، بل ربط المناسبة بمستقبل التعليم الكنسي. فقد شدد على أن المناهج لا يمكن أن تبقى جامدة بينما تتغير طريقة تفكير الأطفال والشباب، ودعا إلى تطوير التعليم المسيحي ليتناسب مع العصر والتكنولوجيا، مع الحفاظ على العقيدة والهوية الأرثوذكسية. كما تناول احتياجات أبناء الكنيسة في المهجر وضرورة إعداد الخدام والكهنة بصورة تناسب البيئات والثقافات المختلفة.

وتكشف هذه الكلمة أن معنى أسقفية التعليم عند البابا شنودة لم يكن محصورًا في إدارة مؤسسة أو إلقاء محاضرات، بل ارتبط بفكرة مستمرة تقوم على تجديد وسيلة التعليم مع الحفاظ على ثوابته.

الكرازة إحدى ثمار مرحلة أسقف التعليم

شهدت سنوات الأنبا شنودة كأسقف للتعليم محطات تركت أثرًا ممتدًا بعد انتقاله إلى الكرسي البابوي. ففي يناير 1965 صدر العدد الأول من مجلة الكرازة برئاسته عندما كان أسقفًا للتعليم، وكانت المجلة في بدايتها مرتبطة بالكلية الإكليريكية قبل أن تتطور لاحقًا لتصبح مجلة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

كما مثل الأنبا شنودة الكنيسة في مناسبات وحوارات كنسية ولاهوتية خارج مصر؛ ففي عام 1963 أوفدته الكنيسة إلى اليونان للمشاركة في الاحتفال بالألفية الخاصة بأديرة جبل آثوس، ثم أصبح عند تأسيس رابطة المعاهد اللاهوتية في الشرق الأدنى أول رئيس لها بصفته أسقف التعليم، وفق السجل المنشور على الموقع الرسمي للكنيسة.

64 عامًا والأثر ما زال حاضرًا

استمرت خدمة الأنبا شنودة كأسقف للتعليم حتى اختياره بطريركًا، قبل أن يتم تجليسه في 14 نوفمبر 1971 ليصبح البابا شنودة الثالث، البطريرك رقم 117 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. لكن انتقاله إلى الكرسي المرقسي لم يُنهِ هويته التعليمية؛ إذ ظلت الكتابة والوعظ والإكليريكية والتعليم الأرثوذكسي من أبرز ملامح خدمته حتى نياحته في 17 مارس 2012.

ويظهر امتداد هذا الإرث بصورة واضحة حتى عام 2026؛ ففي حفل تخرج الكلية الإكليريكية بالإسكندرية في 2 سبتمبر، تحدثت الكنيسة عن الدور الذي لعبه البابا شنودة في جعل الإكليريكية ركيزة أساسية للتعليم، بينما أعلن البابا تواضروس الثاني خلال المناسبة أن الكنيسة تعمل على تأسيس مجلس للتعليم الكنسي يضم متخصصين لوضع سياسة تعليمية للكنيسة.

وبذلك تبقى ذكرى 30 سبتمبر مرتبطة بمرحلة تجاوز أثرها السنوات التسع التي قضاها الأنبا شنودة أسقفًا للتعليم، لتصبح جزءًا من تاريخ تطور التعليم الكنسي نفسه، ومن المسيرة التي صنعت لقب «معلم الأجيال» الذي ارتبط باسم البابا شنودة الثالث عبر عقود من الوعظ والكتابة والتعليم.

وفي تذكار سيامته أسقفًا للتعليم، تبقى خدمته وتراثه التعليمي حاضرَين في ذاكرة الكنيسة وأجيال أبنائها.. بركة صلواته فلتكن معنا جميعًا.

تم نسخ الرابط