بيانات البترول وضبطيات التموين تضع الرقمين في سياقهما الحقيقي
أسامة كمال: السولار وصل لـ70 جنيهًا بالسوق السوداء.. ومليون لتر لغزة سابقًا
أثارت تصريحات المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، مساء الاثنين 2 نوفمبر 2026، تساؤلات بشأن أسعار السولار في السوق السوداء، بعدما تحدث عن وصول سعر اللتر إلى 70 جنيهًا في بعض المناطق التي تستخدم الوقود في أنشطة المناجم. كما أعاد الحديث عن تهريب كميات من السولار إلى قطاع غزة خلال عامي 2011 و2012، مقدرًا إياها بنحو مليون لتر يوميًا. وتأتي التصريحات بالتزامن مع إطلاق منظومة إلكترونية لمراقبة توزيع الوقود، وضبط كميات من السولار خلال حملات تموينية حديثة، بينما تؤكد البيانات الحكومية أن السعر الرسمي للتر يبلغ 20.50 جنيه، دون إعلان نتائج تحقيقات تثبت سعر 70 جنيهًا أو تقديرات التهريب التاريخية.
أسامة كمال يكشف تفاصيل بيع السولار بـ70 جنيهًا
تحدث المهندس أسامة كمال، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أحمد موسى في برنامج «على مسئوليتي»، عن وجود ممارسات لإعادة بيع السولار خارج القنوات الرسمية، مستشهدًا بمناطق يرتبط استهلاك الوقود فيها بأعمال المناجم.
وأوضح، بحسب التغطية المنشورة للمداخلة، أن سعر لتر السولار وصل إلى ما بين 60 و70 جنيهًا في بعض هذه المناطق، وهو ما يعكس، وفق تقديره، حجم الأرباح التي قد يحققها المتعاملون في السوق السوداء نتيجة استغلال الفارق بين السعر الرسمي وسعر إعادة البيع.
لكن التصريحات لم تتضمن تحديد أسماء المناجم أو المحافظات التي شهدت تلك المعاملات، كما لم يُعلن عن محاضر ضبط تتضمن بيع السولار بالسعر المذكور.
وبالتالي فإن رقم 70 جنيهًا يمثل معلومة طرحها وزير البترول الأسبق، وليس سعرًا عامًا مثبتًا للسولار في السوق المصرية.
كما لا يعني تداول هذا الرقم وجود قرار حكومي بزيادة الأسعار، لأن التسعير الرسمي للمنتجات البترولية يصدر عن الجهات المختصة ويُعلن من خلال البيانات الحكومية.
سعر السولار الرسمي في مصر يوم 2 نوفمبر 2026
توضح البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لوزارة البترول والثروة المعدنية أن سعر لتر السولار يبلغ 20.50 جنيه، وفق التسعيرة الحكومية المطبقة في محطات الوقود.
وكانت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية قد قررت في 15 أكتوبر 2026 تثبيت أسعار الوقود دون تغيير، عقب مراجعة تطورات أسعار النفط العالمية وسعر الصرف خلال الفترة المحددة للتسعير.
وبالمقارنة مع أعلى سعر تحدث عنه أسامة كمال، يبلغ الفارق بين 70 جنيهًا والسعر الرسمي 49.50 جنيه لكل لتر.
أما عند المقارنة بالسعر الأقل الذي ذكره، وهو 60 جنيهًا، فيبلغ الفارق 39.50 جنيه للتر.
وهذه فروق حسابية توضح حجم الزيادة المحتملة في المعاملات التي تحدث عنها كمال، لكنها لا تثبت انتشار البيع بهذه الأسعار أو حجم الكميات التي جرى تداولها خارج المحطات.
وتظل الأسعار الرسمية للمنتجات البترولية منفصلة عن أي أسعار غير قانونية يجري الحديث عنها في السوق السوداء.
حقيقة تهريب مليون لتر سولار يوميًا إلى غزة
أعاد أسامة كمال خلال مداخلته الحديث عن تهريب كميات كبيرة من الوقود إلى قطاع غزة في فترة سابقة، وتحديدًا خلال عامي 2011 و2012.
وأشار إلى أن كميات السولار التي كانت تصل إلى غزة عبر قنوات غير رسمية بلغت، وفق روايته، نحو مليون لتر يوميًا.
لكن مراجعة التصريحات السابقة لوزير البترول الأسبق توضح أن هذه المعلومات ليست مطروحة للمرة الأولى في نوفمبر 2026.
ففي حوار صحفي نُشر بتاريخ 15 أغسطس 2015، تحدث كمال عن تهريب نسبة من المنتجات البترولية إلى غزة خلال سنوات سابقة، وذكر أن محطة كهرباء غزة كانت تحصل على نحو مليون لتر من السولار يوميًا.
ومن المهم هنا التمييز بين تقدير احتياجات محطة الكهرباء أو الكميات التي كانت تصل إليها، وبين إثبات أن الكمية نفسها كانت تُهرب بالكامل عبر الأنفاق.
ولم تتوافر سجلات مستقلة منشورة تثبت أن مليون لتر من السولار كان يُهرب يوميًا إلى غزة طوال الفترة المشار إليها.
كما أن الحديث يتعلق بوقائع تاريخية، ولا يمثل إعلانًا عن اكتشاف تهريب مليون لتر يوميًا خلال عام 2026.
ماذا قال أسامة كمال عن تهريب الوقود في عام 2013؟
توجد شهادة أقدم لأسامة كمال بشأن هذه القضية، تعود إلى مقابلة تلفزيونية أُجريت في 30 أبريل 2013، عندما تناول حجم الاستهلاك المحلي للسولار ومشكلة تسرب جزء من الكميات إلى خارج منظومة التوزيع.
وذكر خلال المقابلة أن مصر كانت تضخ نحو 42 مليون لتر سولار يوميًا، وقدّر نسبة التسرب عبر عمليات تهريب خارج الحدود بنحو 10% إلى 15% من الكميات المتداولة آنذاك.
وبحسب تقديره في ذلك الوقت، تراوحت الكميات التي كانت تخرج من السوق المحلية عبر قنوات غير مشروعة بين أربعة وستة ملايين لتر يوميًا.
لكن هذا التقدير تناول التهريب خارج الحدود بصورة عامة، ولم يحدد أن جميع الكميات كانت متجهة إلى قطاع غزة.
كما أنه تقدير يعود إلى ظروف سوق الوقود قبل أكثر من 13 عامًا، ولا يجوز استخدامه باعتباره قياسًا حديثًا لحجم التهريب.
وتوضح المقارنة بين تصريحات 2013 و2015 وحديث نوفمبر 2026 أن كمال تناول الظاهرة أكثر من مرة، لكن الأرقام اختلفت بحسب نطاق الحديث والفترة التي تناولها.
كما ظهرت في السنوات السابقة تقديرات مختلفة من مسؤولين وخبراء بقطاع البترول بشأن حجم تهريب السولار، ما يجعل التحقق من الرقم التاريخي مرهونًا بسجلات رسمية مستقلة لا بمجرد تكرار التصريح.
ضبط 27 طن سولار في جنوب سيناء خلال حملات رقابية
تزامنت تصريحات أسامة كمال مع إعلان نتائج حملات تموينية بمحافظة جنوب سيناء، يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026، كشفت عن ضبط 27 طنًا من السولار المدعم داخل إحدى محطات الخلط الخرساني بمدينة شرم الشيخ.
وأوضح المهندس أيمن عبد الغني، وكيل وزارة التموين والتجارة الداخلية بالمحافظة، أن الحملات نُفذت بالتنسيق مع الجهات الرقابية المختصة، وأسفرت أيضًا عن تحرير 28 محضر مخالفة تموينية متنوعة.
وشملت الحملات عددًا من مدن المحافظة، واستهدفت متابعة تداول السلع والمواد البترولية وضبط الممارسات المخالفة للقواعد المنظمة للأسواق.
وأشار المسؤول إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بشأن كمية السولار المضبوطة، مع استمرار الحملات الرقابية بمختلف المدن.
وتوفر هذه الواقعة دليلًا على وجود مخالفة محددة جرى رصدها بالفعل، لكنها لا تثبت أن الكمية المضبوطة كانت مخصصة للبيع بسعر 70 جنيهًا للتر.
كما لم تعلن مديرية التموين وجود صلة بين تلك الضبطية وتصريحات أسامة كمال أو أي وقائع تهريب إلى خارج الحدود.
ضبط 9 آلاف لتر سولار و98 أسطوانة غاز بالجيزة
وفي واقعة أخرى سبقت تصريحات كمال بيوم واحد، ضبطت مديرية التموين والتجارة الداخلية بمحافظة الجيزة سيارة فنطاس محملة بنحو 9 آلاف لتر من السولار، أثناء نقل الكمية دون المستندات والتصاريح اللازمة.
وبحسب تفاصيل الحملة المعلنة يوم الأحد 1 نوفمبر، كانت الكمية معدة للتصرف فيها خارج القنوات المنظمة لتداول المنتجات البترولية.
كما ضبطت الحملة سيارة أخرى تحمل 98 أسطوانة غاز تجاري مجهولة المصدر، مع اتخاذ الإجراءات القانونية والتحفظ على المضبوطات.
وتكشف الواقعتان أن الأجهزة التموينية تتابع بالفعل محاولات تجميع المواد البترولية وإعادة بيعها بصورة مخالفة للقواعد المقررة.
لكن لا توجد بيانات تؤكد أن هذه الكميات كانت ستباع بالأسعار التي تحدث عنها وزير البترول الأسبق، أو أنها مرتبطة بعمليات تهريب خارج مصر.
منظومة مراقبة الوقود الجديدة وعلاقتها بالسوق السوداء
بدأت وزارة البترول والثروة المعدنية التشغيل التجريبي لمنظومة إلكترونية جديدة لمراقبة توزيع الوقود بمحافظة بورسعيد، اعتبارًا من الأحد 1 نوفمبر 2026، ولمدة شهر.
وأوضحت الوزارة في بيان رسمي صدر يوم 31 أكتوبر أن المنظومة تعتمد على قراءة بيانات الملصق الإلكتروني المثبت على السيارات، بالتنسيق مع وزارتي الداخلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وتستهدف هذه الآلية تسجيل عمليات تموين المركبات وربطها ببياناتها، بما يسمح بتكوين صورة أكثر دقة عن أنماط الاستهلاك داخل محطات الوقود.
ويمكن أن تساعد هذه البيانات الجهات المختصة على تحديد العمليات غير المعتادة التي تحتاج إلى مراجعة، إلى جانب استكمال متابعة حركة المنتجات البترولية من مراحل الإمداد حتى المستهلك النهائي.
وفي تصريحات منفصلة مع الإعلامية لميس الحديدي، تحدث أسامة كمال عن تطور أنظمة متابعة توزيع الوقود منذ مشروع الكروت الذكية الذي طُرح قبل سنوات.
وأوضح أن المنظومة الجديدة المرتبطة بالملصق الإلكتروني تستهدف تحسين بيانات الاستهلاك وتحديد احتياجات المناطق المختلفة من أنواع الوقود، وليس العودة تلقائيًا إلى نظام الحصص الذي ارتبط بمقترحات سابقة.
وتؤكد وزارة البترول أن المنظومة لا تتضمن تعديل أسعار المنتجات البترولية أو تحديد كمية موحدة من الوقود لكل مركبة.
كما أن التطبيق الحالي يقتصر على التشغيل التجريبي في بورسعيد، مع استكمال تجهيز المحطات وإتاحة الفرصة لأصحاب المركبات غير المزودة بالملصق الإلكتروني لتوفيق أوضاعهم.
هل تمنع الرقابة الإلكترونية تسرب السولار؟
تمثل منظومة الملصق الإلكتروني خطوة إضافية في متابعة عمليات صرف الوقود، لكنها لا تعني انتهاء محاولات التلاعب بمجرد بدء تشغيلها.
وكانت وزارة البترول قد أعلنت في أغسطس 2025 نتائج حملات رقابية رصدت مخالفات في تداول المنتجات البترولية، شملت تجميع كميات من السولار والبنزين وإعادة بيعها خارج المنظومة الرسمية.
كما استخدمت الجهات المختصة أنظمة التتبع الإلكتروني لمراقبة سيارات نقل المنتجات البترولية والكشف عن تحركات غير معتادة قد ترتبط بمخالفات في عمليات النقل أو التوزيع.
ويضيف النظام الجديد بيانات مرتبطة بعمليات تموين السيارات نفسها، وهو ما قد يحسن قدرة الجهات المختصة على مراجعة الاستهلاك ومقارنته بالكميات المخصصة للمحطات.
لكن قياس نجاح المنظومة يتطلب نتائج تشغيلية موثقة، تتضمن عدد العمليات التي جرى فحصها والمخالفات المكتشفة والإجراءات التي اتُخذت بشأنها.
ولم تعلن وزارة البترول حتى 2 نوفمبر 2026 نتائج نهائية للتجربة أو كمية محددة من السولار نجحت المنظومة الجديدة في منع تسربها.
ما الذي تأكد من تصريحات أسامة كمال بشأن السولار وغزة؟
تتمثل الحقائق المؤكدة في أن السعر الرسمي للسولار في مصر يبلغ 20.50 جنيه للتر، وأن وزارة البترول بدأت تجربة منظومة إلكترونية لمراقبة التوزيع في بورسعيد، بالتزامن مع ضبط كميات من السولار خلال حملات تموينية حديثة.
أما وصول سعر اللتر إلى 70 جنيهًا، فهو تصريح منسوب إلى أسامة كمال بشأن معاملات في بعض المناطق، دون وجود ضبطية معلنة تثبت هذا السعر تحديدًا.
كذلك فإن حديثه عن مليون لتر سولار إلى غزة يتعلق بفترة تاريخية سابقة، وسبق أن تناول القضية في تصريحات عامي 2013 و2015، ولا يمثل إعلانًا عن واقعة تهريب جديدة.
ولا تكفي التصريحات وحدها لتحديد حجم التهريب بصورة نهائية أو إثبات اتهامات بحق أطراف بعينها دون تحقيقات ومستندات مستقلة.
وتظل نتائج الحملات الرقابية ومنظومة مراقبة الوقود الجديدة هي التطورات التنفيذية التي يمكن قياسها خلال الفترة المقبلة، بينما يبقى التحقق من أسعار السوق السوداء وأرقام التهريب مرتبطًا ببيانات رسمية تفصيلية لم تُعلن حتى وقت إعداد التقرير.









