نحو 1600 تعليق أعادوا الجدل حول التصوير والخصوصية والدفاع الشرعي
أسعد هيكل يرد على جدل واقعة فتاة التجمع: رأيي قانوني وسأواصل الدفاع عن دولة القانون
عاد المحامي أسعد هيكل إلى واقعة فتاة التجمع مساء 15 سبتمبر 2026، لكن هذه المرة للرد على الجدل الذي أثاره رأيه القانوني السابق بشأن تصوير الفتاة داخل سيارة النقل الذكي ونشر المقطع، مؤكدًا أن طرحه كان رأيًا قانونيًا مجردًا لا حكمًا مسبقًا على أي من أطراف الواقعة. ويكتسب التصريح الجديد أهمية إضافية لأن «الحق والضلال» سبق أن تناول أصل رأيه القانوني، بينما التطور الحالي يتمثل في حجم ردود الفعل التي قال إنها اقتربت من 1600 تعليق، إلى جانب تجديد تمسكه بالدفاع عن دولة القانون والحريات، في وقت لم يصدر فيه حكم قضائي نهائي يحسم مشروعية التصوير أو مسؤولية كل طرف.
1600 تعليق بعد رأي أسعد هيكل
قال أسعد هيكل إن منشوره السابق بشأن الواقعة أثار نقاشًا واسعًا وصل إلى نحو 1600 تعليق، موضحًا أنه كان يتوقع الخلاف حول الرأي الذي طرحه باعتباره نقاشًا قانونيًا يتعلق بالحرية والكرامة الإنسانية وحدود التصوير.
وبحسب تقديره، ناقش أكثر من 60% من أصحاب التعليقات الفكرة باحترام، بينما تحدث عن نسبة تقارب 35% لجأت، وفق وصفه، إلى السب والقذف والمزايدة، وهو ما دفعه إلى حذف بعض التعليقات وحظر أصحابها.
ورأى هيكل أن بقاء الجزء الأكبر من النقاش داخل إطار الحوار يمثل مؤشرًا إيجابيًا، مشددًا في ختام تعليقه على أنه سيستمر في الدفاع عن دولة القانون وحقوق وحريات الإنسان، وأن سيادة القانون تظل الضمان الذي يحمي جميع الأطراف دون استثناء.
ما الرأي الذي تسبب في الجدل؟
كان هيكل قد طرح في تعليقه الأول زاوية قانونية تتعلق بتصوير الفتاة دون رضاها، معتبرًا أن الأمر قد يمس حرمة حياتها الخاصة، وأن محاولة وقف التصوير يمكن بحثها من زاوية الدفاع الشرعي إذا ثبت أن التصوير نفسه وقع بصورة غير مشروعة.
وسبق أن أوضح «الحق والضلال» عند تناول هذا الطرح أن رأي هيكل لا يمثل حكمًا قضائيًا بثبوت جريمة على السائق، كما أن وصف رد فعل الفتاة بالدفاع الشرعي لا يعني سقوط الاتهامات المنسوبة إليها تلقائيًا؛ لأن تحقق الدفاع الشرعي وشروطه مسألة تقدرها جهات التحقيق والمحكمة وفق ظروف الواقعة.
وهنا يظهر عنصر الجدة في التصريح الأخير: هيكل لم يطرح توصيفًا قانونيًا جديدًا للواقعة بقدر ما دافع عن حقه في تقديم هذا التفسير القانوني رغم الاعتراضات الواسعة عليه، مؤكدًا أنه يتحدث «بصرف النظر عن من المخطئ» في الواقعة.
هل التصوير دون إذن جريمة في كل الأحوال؟
النص القانوني يضع شرطًا مهمًا يجعل المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد وجود كاميرا دون موافقة الشخص.
فالمادة 309 مكرر من قانون العقوبات تعاقب على التقاط أو نقل صورة شخص في «مكان خاص» بغير رضاه وفي غير الأحوال المصرح بها قانونًا. كما تعاقب المادة 309 مكرر «أ» على إذاعة أو تسهيل إذاعة أو استعمال تسجيل أو صورة جرى الحصول عليها بالطرق التي يجرمها النص.
وبالتالي لا يكفي القول إن شخصًا جرى تصويره دون إذنه للوصول تلقائيًا إلى نتيجة قانونية واحدة؛ إذ يجب أولًا بحث طبيعة المكان وظروف التصوير وما إذا كانت شروط الحماية القانونية للحياة الخاصة متوافرة.
ما معنى «المكان الخاص» في القانون؟
تضيف أحكام محكمة النقض نقطة حاسمة في تفسير النص.
فقد عرفت المحكمة المكان الخاص بأنه المكان المغلق الذي لا يسمح بدخوله للخارجين عنه، أو الذي يتوقف دخوله على إذن من يملك حق استعماله أو الانتفاع به، أو الذي يحول دون اطلاع الموجودين خارجه على ما يجري بداخله.
ولهذا لا يمكن حسم ما إذا كانت مقصورة سيارة نقل ذكي أثناء رحلة مدفوعة تُعامل قانونًا باعتبارها «مكانًا خاصًا» في الواقعة الحالية بمجرد وصفها بأنها سيارة أو بمجرد تأكيد أحد الطرفين شعوره بالخصوصية.
فالتكييف يتطلب فحص ظروف الرحلة ومكان السيارة وقت التسجيل وطريقة التصوير ومحتوى الفيديو وباقي ملابسات الواقعة، وهي مسائل تظل من اختصاص جهات التحقيق والقضاء، وليس منشورًا قانونيًا أو نقاشًا عبر مواقع التواصل.
التصوير شيء ونشر الفيديو شيء آخر
تتمثل قيمة قانونية أخرى في ضرورة الفصل بين لحظة التقاط الفيديو وبين نشره لاحقًا على الإنترنت.
فقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 ينظم في مادته 25 نشر معلومات أو أخبار أو صور عبر الشبكة المعلوماتية بما ينتهك خصوصية شخص دون رضاه، سواء كانت المعلومات المنشورة صحيحة أو غير صحيحة.
لكن تطبيق هذا النص على واقعة فتاة التجمع لا يُحسم بمجرد تداول الفيديو؛ إذ تظل جهة التحقيق مطالبة أولًا بتحديد ما إذا كان المحتوى المنشور يدخل قانونًا ضمن نطاق الحياة الخاصة والخصوصية التي يحميها النص، ومدى مسؤولية كل شخص عن التصوير أو النشر.
كما سبق لمحكمة النقض أن فرقت بين تصوير أشخاص في مكان خاص وبين تصويرهم في طريق عام ظاهر للمارة، وهو ما يؤكد أن طبيعة المكان والظروف المحيطة بالتصوير عنصر أساسي في التكييف القانوني.
اتهام الفتاة والتصوير مساران منفصلان
الجدل بشأن قانونية التصوير لا يلغي تلقائيًا التحقيق في الأفعال المنسوبة إلى الفتاة.
فالبيان الأمني بشأن الواقعة ذكر أن السائق تقدم ببلاغ يفيد بتناول السيدة مواد كحولية داخل السيارة، وأنه طلب منها النزول وإلغاء الرحلة قبل تصويرها، واتهمها بعد ذلك بالسب والضرب وإلقاء الزجاجة عليه وتمزيق ملابسه. كما ذكر البيان ضبط السيدة واتخاذ الإجراءات القانونية.
وفي المقابل، اتهمت الفتاة السائق أمام جهات التحقيق بتصويرها دون إذن والتشهير بها بعد تداول المقطع، بينما قال السائق إن التصوير كان بهدف توثيق الواقعة والحفاظ على حقه.
وبذلك توجد أسئلة قانونية منفصلة: هل ثبت الاعتداء المنسوب إلى الفتاة؟ وهل كان التصوير مشروعًا في ظروف الواقعة؟ وهل نشر الفيديو يرتب مسؤولية مختلفة؟ وهل تتوافر شروط الدفاع الشرعي في أي جزء من رد فعلها؟
إثبات أحد هذه المسارات أو نفيه لا يحسم تلقائيًا بقية المسارات.

ماذا تغير منذ منشور هيكل الأول؟
سبق أن نشر «الحق والضلال» صباح 15 سبتمبر زاوية أسعد هيكل الأولى بشأن الخصوصية والدفاع الشرعي، موضحًا وقتها أن رأيه لا يحسم قانونية التصوير وأن المادة 309 مكرر تشترط وقوع التصوير في مكان خاص.
أما التصريح الجديد الذي صدر في نهاية اليوم فينقل القصة إلى مرحلة مختلفة: هيكل أصبح يرد على ردود الأفعال نفسها، ويكشف حجم النقاش الذي أثاره منشوره، ويؤكد أنه لا يتراجع عن طرح القضية من زاوية الحقوق والحريات رغم الانتقادات.
وفي الوقت نفسه، لا يقدم منشوره الأخير نتيجة جديدة من النيابة، ولا يثبت قانونيًا أن السائق ارتكب جريمة تصوير، ولا يبرئ الفتاة من الاتهامات محل التحقيق.
وحتى أحدث المعلومات المتاحة، كانت جهات التحقيق تفحص الاتهامات المتبادلة بين السائق والفتاة، بعدما قررت حجز الفتاة والمواطن الخليجي الذي كان برفقتها والسائق لحين ورود تحريات المباحث، دون إعلان حكم نهائي في أصل النزاع.
وبذلك يبقى الفارق واضحًا بين رأي أسعد هيكل القانوني وبين النتيجة القضائية: الأول يفتح نقاشًا حول الخصوصية وحدود التصوير والنشر، أما الثانية فلا يملك حسمها إلا التحقيق والقضاء بعد فحص الفيديو وأقوال الأطراف والتحريات وبقية الأدلة.









