دعم إسرائيلي للمنفذ البحري ومصر تتمسك بأمن النيل
الديهي يحذر من «تفخيخ القرن الإفريقي».. وإثيوبيا تواصل الضغط بملف البحر الأحمر وسد النهضة
جاء تحذير الإعلامي نشأت الديهي من تداعيات تحركات إثيوبيا في البحر الأحمر في توقيت يشهد انتقال ملف المنفذ البحري من نقاش قديم إلى تصريحات إثيوبية متكررة ودعم إسرائيلي معلن، بالتوازي مع استمرار الخلاف المصري الإثيوبي بشأن مياه النيل وسد النهضة. والجديد أن القاهرة أعادت خلال الأسابيع الأخيرة تأكيد مبدأين متوازيين: حوكمة وأمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة، ورفض الإجراءات الأحادية التي تمس نهر النيل. وفي المقابل، تواصل شخصيات ومسؤولون إثيوبيون وصف الوصول إلى البحر بأنه أولوية استراتيجية، ما يجعل الملفين يتحركان في وقت واحد داخل منطقة شديدة الحساسية أمنيًا.
ماذا قال نشأت الديهي عن البحر الأحمر؟
حذر نشأت الديهي خلال برنامجه «بالورقة والقلم» من محاولات إثيوبيا تثبيت موطئ قدم على البحر الأحمر، معتبرًا أن مثل هذه التحركات قد تزيد تعقيد التوازنات في القرن الإفريقي وتمس مصالح الدول المطلة على البحر.
وربط الديهي بين السعي الإثيوبي للحصول على منفذ بحري ومشروع إعادة بناء القوة البحرية الإثيوبية، مرجحًا أن تكون أرض الصومال إحدى المناطق التي قد تتركز عليها التحركات.
ويستند جزء من هذا القلق إلى مسار إثيوبي معلن بالفعل؛ إذ بدأت أديس أبابا منذ 2018 مشروع إعادة تأسيس قوتها البحرية بعد عقود من كونها دولة حبيسة، بينما تحدث قائد البحرية الإثيوبية في أبريل 2026 صراحة عن السعي للحصول على منفذ سيادي إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا من رؤية استراتيجية إقليمية. كما أكد رئيس أركان الجيش الإثيوبي في يوليو أن السعي للوصول البحري يرتبط بضرورة الحفاظ على جاهزية عسكرية قوية في ظل تدهور البيئة الأمنية بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ما الجديد في الموقف الإثيوبي خلال سبتمبر؟
لم يعد الحديث الإثيوبي عن البحر الأحمر مجرد تصريحات متباعدة؛ ففي 5 سبتمبر 2026 وصف وزير التعليم الإثيوبي برهانو نيغا الحصول على منفذ بحري بأنه «ضرورة وطنية حتمية» مرتبطة بالأمن والاقتصاد وبقاء الدولة على المدى الطويل.
وبعد ثلاثة أيام، تحدث باحث بارز في معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي عن ضرورة عودة إثيوبيا إلى منفذ بحري آمن وموثوق، معتبرًا ذلك عنصرًا مرتبطًا بالاستقرار الإقليمي.
وجاء التطور الأكثر لفتًا للانتباه في 10 سبتمبر، عندما نقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن السفير الإسرائيلي لدى أديس أبابا أفراهام نغوسيه قوله إن بلاده تدعم مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، واصفًا ذلك بأنه موقف إسرائيلي واضح.
وهذه النقطة تمنح تحذيرات الديهي سياقًا أحدث من مجرد الحديث عن طموح إثيوبي قديم، لأنها تظهر دخول دعم دبلوماسي إسرائيلي معلن على خط الملف قبل أيام فقط من تصريحاته.
هل حُسم أن أرض الصومال هي المنفذ المستهدف؟
لا توجد في التصريحات الإثيوبية الحديثة التي تم التحقق منها إشارة تعلن بصورة قاطعة أن أرض الصومال أصبحت الوجهة النهائية أو أن اتفاقًا جديدًا قد أُنجز بشأنها.
وكانت إثيوبيا قد أثارت أزمة إقليمية في مطلع 2024 بتوقيع مذكرة تفاهم مع سلطات أرض الصومال، لكن إعلان أنقرة الصادر في ديسمبر من العام نفسه بين إثيوبيا والصومال أعاد التأكيد على سيادة ووحدة الأراضي الصومالية، ونص على أن أي ترتيبات تتيح لإثيوبيا وصولًا إلى البحر يفترض أن تتم عبر اتفاقات تحت السلطة السيادية لجمهورية الصومال الفيدرالية.
لذلك يظل حديث الديهي عن تركيز محتمل على أرض الصومال قراءة سياسية وتحذيرًا من سيناريو ممكن، وليس إعلانًا رسميًا عن اتفاق جديد مكتمل.
كما جددت مصر في 7 سبتمبر دعمها الكامل لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الصومال ورفض أي إجراءات أحادية تنتقص من سيادته، وهو موقف يضع القاهرة بوضوح في جانب الحفاظ على وحدة الدولة الصومالية.
الموقف المصري من البحر الأحمر أصبح أكثر وضوحًا
في يوليو 2026 أكد وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن أمن وحوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة، مع رفض أي إجراءات أحادية قد تمس سيادة دول المنطقة أو استقرارها.
وكرر الرئيس عبد الفتاح السيسي المبدأ نفسه خلال لقاءات حديثة، مؤكدًا أن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المطلة عليه، مع رفض محاولات دفع المنطقة نحو مزيد من العسكرة أو التدويل.
وتكتسب تساؤلات الديهي بشأن موقف مصر والسعودية أهمية إضافية لأن القاهرة والرياض أكدتا في مباحثات السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يوم 15 سبتمبر 2026 حرصهما على ضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز.
لكن البيان المصري السعودي المنشور لم يتضمن موقفًا مشتركًا محددًا بالاسم من حصول إثيوبيا على منفذ بحري، ولذلك لا يصح تحويل الموقف العام بشأن أمن الملاحة إلى إعلان رسمي مشترك برفض أو قبول المسعى الإثيوبي ذاته.

سد النهضة.. مسار موازٍ للخلاف مع إثيوبيا
يتزامن الملف البحري مع استمرار الخلاف الأقدم بشأن سد النهضة، إلا أن هناك فارقًا مهمًا في التوقيت يجب توضيحه.
فالمسار التفاوضي الأخير بين مصر والسودان وإثيوبيا انتهى في ديسمبر 2023، وليس في 2024، بعدما أعلنت القاهرة انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات دون التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السد.
ومنذ ذلك الحين، تتمسك مصر بموقفها الرافض للإجراءات الأحادية على النيل، مؤكدة حقها في حماية أمنها المائي وفق قواعد القانون الدولي، وهو موقف جرى تجديده مرة أخرى خلال لقاءات رئاسية في سبتمبر 2026.
العجز المائي المصري ليس ناتجًا بالكامل عن سد النهضة
من المهم أيضًا الفصل بين أزمة سد النهضة والعجز الهيكلي في الموارد المائية المصرية.
وتشير بيانات وزارة الموارد المائية والري إلى أن احتياجات مصر تبلغ نحو 114 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل موارد مائية تقدر بنحو 59.6 مليار متر مكعب، منها 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل.
وبحساب الفرق بين الاحتياجات والموارد المباشرة، تصل الفجوة إلى نحو 54.4 مليار متر مكعب سنويًا قبل احتساب إعادة استخدام المياه وما يعادل المياه الافتراضية في المحاصيل المستوردة. وتعيد مصر استخدام نحو 21.6 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، إلى جانب استيراد محاصيل يعادل إنتاجها محليًا استهلاك نحو 33 مليار متر مكعب من المياه.
وبالتالي فإن العجز المائي الكبير قائم أصلًا نتيجة محدودية الموارد مقارنة بالاحتياجات، ولا يصح نسبته بالكامل إلى سد النهضة، بينما تتمثل المخاوف المصرية من السد في إمكانية زيادة الضغوط على منظومة تعاني بالفعل ندرة شديدة، خصوصًا في سنوات الجفاف إذا استمر التشغيل دون اتفاق ملزم.
ماذا تغير عن التغطيات السابقة؟
سبق أن تناول «الحق والضلال» خلال الأسابيع الماضية الخلاف المصري الإثيوبي بشأن سد النهضة وخطط أديس أبابا المرتبطة بالسدود الجديدة، كما تناول بصورة منفصلة الدعم الإسرائيلي لمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري.
أما التطور الحالي فيتمثل في تزامن ثلاثة عناصر خلال أيام قليلة: تصاعد الخطاب الإثيوبي الذي يصف الوصول إلى البحر بأنه ضرورة استراتيجية، إعلان السفير الإسرائيلي في أديس أبابا دعم هذا المسعى، وتجديد مصر والسعودية في اليوم نفسه لتحذيرات الديهي اهتمامهما بأمن الملاحة في البحر الأحمر.
وبذلك لا يتعلق الملف بمجرد تصريح إعلامي منفرد، بل بمشهد إقليمي تتحرك فيه إثيوبيا على مسارين شديدي الحساسية بالنسبة لمصر: مياه النيل من جهة، والبحر الأحمر والقرن الإفريقي من جهة أخرى، مع بقاء الفارق واضحًا بين ما أُعلن رسميًا وما يزال في نطاق التقديرات والسيناريوهات السياسية.









