الأرقام الرسمية تضع التوترات الإقليمية في قلب مخاطر الأسعار
تحذير عمرو أديب يكشف سيناريوهات صعبة لمستقبل التضخم في مصر قبل اجتماع المركزي "فيديو"
جاء تحذير عمرو أديب من صعوبة الفترة المتبقية حتى نهاية 2026 متزامنًا مع وجود سيناريوهين معلنين بالفعل من البنك المركزي المصري لقياس أثر التوترات الإقليمية على الاقتصاد، ما يفتح زاوية تتجاوز التساؤل عن أسعار البنزين وحدها. ففي سيناريو «انحسار الصراع» يقدر المركزي متوسط التضخم العام خلال السنة المالية 2026/2027 بنحو 15.2%، بينما يرتفع إلى 17.8% في سيناريو «تصاعد الصراع». وهذه ليست توقعات مباشرة لما سيحدث حتى ديسمبر، لكنها تكشف رسميًا حجم الفارق الذي يمكن أن تصنعه التطورات الخارجية في مسار الأسعار داخل مصر.
وكان أديب قد قال خلال برنامج «الحكاية» مساء السبت إن الفترة المقبلة قد تكون «صعبة للغاية»، وربط حديثه بتطورات الاقتصاد العالمي وإمدادات النفط، داعيًا إلى الحذر خلال الأشهر المتبقية من العام، مع تأكيده أنه لا يعرف ما إذا كانت الحكومة ستغير أسعار الوقود أو الخبز.
سيناريوهان رسميان يفسران أين تكمن المخاطرة
اللافت أن البنك المركزي كان قد وضع قبل تصريحات أديب إطارًا رقميًا لتأثير التطورات الإقليمية، ضمن نظرته المستقبلية للاقتصاد المصري المنشورة في أغسطس.
السيناريو الأول يفترض انحسار الصراع، وفيه يُقدر متوسط التضخم العام خلال السنة المالية 2026/2027 عند 15.2%، ثم 7.7% خلال 2027/2028.
أما سيناريو تصاعد الصراع فيرفع المتوسط المتوقع إلى 17.8% خلال 2026/2027، ثم 8.3% في العام المالي التالي. وأوضح البنك أن السيناريوهين يمثلان حدين مختلفين لمسار محتمل للتطورات الجيوسياسية، وليس قرارًا بأن أحدهما سيتحقق حتمًا.
وتمنح هذه الأرقام مضمونًا أكثر تحديدًا لفكرة تأثر الاقتصاد المصري بما يحدث خارجيًا؛ فالفرق بين السيناريوهين خلال السنة المالية الحالية يبلغ 2.6 نقطة مئوية في متوسط التضخم، وهو فارق يرتبط بحسب نموذج المركزي بدرجة تصاعد أو انحسار الصراع وليس بتوقع مؤكد لمسار واحد.
كما سبق للجنة السياسة النقدية أن وضعت «تصاعد التوترات الإقليمية» ضمن أبرز المخاطر الصعودية التي تحيط بمسار التضخم، إلى جانب احتمال تجاوز أثر إجراءات ضبط المالية العامة للتوقعات.
لكن المؤشرات الحالية لا تتحرك كلها في اتجاه واحد
رغم الصورة الحذرة التي رسمها أديب، فإن أحدث المؤشرات الرسمية المتاحة حتى 20 سبتمبر لا تتحرك جميعها في اتجاه سلبي واحد.
التضخم العام للحضر تراجع في أغسطس إلى 14.5% على أساس سنوي، مقابل 14.9% في يوليو، أي بانخفاض 0.4 نقطة مئوية. لكن في المقابل ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.9% من 14.7% خلال الفترة نفسها، ما يعطي إشارتين مختلفتين: تراجع في المؤشر العام، وارتفاع محدود في المؤشر الأساسي الذي يستبعد بعض العناصر الأكثر تقلبًا.
وهذا التباين يجعل وصف الوضع بأنه مسار صعود موحد للأسعار غير دقيق استنادًا إلى البيانات الحالية وحدها؛ فهناك ضغوط قائمة بالفعل، لكن بعض المؤشرات شهد تحسنًا في أحدث قراءة بينما تحرك بعضها الآخر في الاتجاه المقابل.
النفط فوق 100 دولار لكنه تراجع من قمة الأسبوع
ملف النفط، الذي كان محورًا رئيسيًا في حديث أديب، يقدم هو الآخر صورة مزدوجة.
تُظهر بيانات وزارة البترول أن خام برنت بلغ 103.49 دولار للبرميل في 18 سبتمبر، وهو مستوى مرتفع يتجاوز حاجز 100 دولار، لكنه جاء أقل من 104.56 دولار في 17 سبتمبر، وأقل من 108.18 دولار المسجلة في 16 سبتمبر.
وبذلك فقد برنت 4.69 دولار خلال يومين من المستوى المسجل في 16 سبتمبر، رغم بقائه عند مستويات مرتفعة نسبيًا. وأرجعت وزارة البترول تراجع جلسة 18 سبتمبر إلى انخفاض جانب من المخاوف المتعلقة باضطراب الإمدادات، مع استمرار القلق من اتساع نطاق الصراع الإقليمي.
وهذا يعني أن الخطر الذي أشار إليه أديب بشأن الطاقة قائم من حيث ارتفاع مستوى الخام وتقلبه، لكن أحدث حركة منشورة لم تكن زيادة جديدة، وإنما تراجعًا من قمة أعلى سجلها السوق قبل يومين.
اجتماع 24 سبتمبر يصبح أول اختبار قريب
أقرب محطة اقتصادية رسمية بعد هذه التصريحات ستكون اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي يوم الخميس 24 سبتمبر.
وكانت اللجنة قد ثبتت في اجتماع 20 أغسطس أسعار عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19% و20%، وسعر العملية الرئيسية عند 19.50%. كما أبقت سعر الائتمان والخصم عند 19.50%.
ويؤكد الجدول الرسمي للبنك المركزي أن اجتماعات اللجنة المتبقية في 2026 محددة أيام 24 سبتمبر و29 أكتوبر و17 ديسمبر، ما يعني أن السياسة النقدية ستخضع لثلاث مراجعات أخرى قبل نهاية العام.
ولا يمكن استباق نتيجة اجتماع الخميس بالقول إن المركزي سيرفع الفائدة أو يخفضها أو يثبتها؛ فالقرار لم يصدر بعد، والبنك يوضح أن اللجنة تدرس في كل اجتماع التضخم وأسعار العائد والتطورات النقدية والائتمانية ومؤشرات الاقتصاد الحقيقي والمتغيرات العالمية قبل التصويت على القرار.
ماذا يثبت تحذير عمرو أديب وماذا يبقى توقعًا؟
المؤكد في حديث عمرو أديب أنه قدم تقديرًا شخصيًا لمسار الأشهر المقبلة استنادًا إلى مخاطر عالمية أبرزها الطاقة والتوترات الدولية، ولم يقدم قرارًا حكوميًا أو توقعًا رسميًا صادرًا عن جهة اقتصادية.
أما البيانات الرسمية فتثبت أن هذه المخاطر ليست افتراضية بالكامل؛ فالبنك المركزي نفسه أدرج تصاعد التوترات الإقليمية ضمن المخاطر الصعودية للتضخم، وبنى سيناريوهين مختلفين يصل الفارق بينهما إلى 2.6 نقطة مئوية في متوسط التضخم خلال السنة المالية الحالية.
لكن البيانات لا تقول إن كل المؤشرات تتدهور حاليًا؛ فالتضخم العام تراجع في أغسطس، وبرنت انخفض من قمته الأخيرة رغم بقائه فوق 100 دولار، بينما ارتفع التضخم الأساسي بصورة محدودة.
ومن ثم فإن التطور الأهم حتى نهاية العام لن يكون مجرد استمرار تداول التحذيرات، وإنما اتجاه هذه المؤشرات خلال الأشهر المقبلة وقرارات البنك المركزي في اجتماعات سبتمبر وأكتوبر وديسمبر، إلى جانب مسار أسعار الطاقة والتوترات الإقليمية.


















