الأرقام الرسمية توضح ما انخفض وما زال يرتفع بالأسواق
تراجع الأسعار في مصر.. مدبولي يكشف السلع التي انخفضت والتضخم يتراجع إلى 12.7%
قال رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي إن أسعار عدد من السلع بدأت تسجل انخفاضات، بالتزامن مع تراجع معدل التضخم، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن سلعًا أخرى لا تزال تمثل تحديًا، وهو تفصيل مهم عند قراءة الحديث الحكومي عن حركة الأسعار. وتظهر أحدث البيانات الرسمية أن التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية انخفض إلى 12.7% خلال أغسطس 2026، بينما بلغ التضخم السنوي في المدن 14.5%، لكن انخفاض معدل التضخم لا يعني تلقائيًا أن جميع الأسعار أصبحت أقل؛ إذ تحركت مكونات سلة الاستهلاك في اتجاهات مختلفة خلال الشهر.
ماذا قال مدبولي عن تراجع الأسعار؟
جاءت تصريحات رئيس الوزراء خلال الاجتماع الموسع الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي في 29 سبتمبر 2026، بمشاركة رئيس الوزراء ومجلسي الوزراء والمحافظين وعدد من المسؤولين والخبراء، في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة.
وتحدث مدبولي عن مستوى التضخم المسجل مؤخرًا، موضحًا أن الحكومة تستهدف استمرار المسار النزولي للمعدل بما يدعم الإنتاج ويهيئ الظروف لتراجع أكبر في أسعار السلع، وقال إن أسعار عدد من السلع بدأت بالفعل في الانخفاض، مع استمرار وجود تحديات في سلع أخرى.
وهذه الصياغة تختلف عن القول إن كل الأسعار انخفضت؛ فالحكومة نفسها لم تعلن تراجعًا شاملًا لجميع السلع والخدمات، وإنما تحدثت عن تحسن في عدد منها واستمرار الضغوط على أخرى.
هل انخفاض التضخم يعني انخفاض الأسعار؟
ليس بالضرورة.
انخفاض معدل التضخم السنوي يعني في الأساس أن وتيرة ارتفاع المستوى العام للأسعار أصبحت أبطأ مقارنة بالفترة السابقة، ولا يعني وحده عودة الأسعار إلى مستويات قديمة أو انخفاض جميع السلع الموجودة في الأسواق.
وسجل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 12.7% في أغسطس 2026 مقابل 13% في يوليو، بينما بلغ التضخم العام للحضر 14.5% مقابل 14.9% خلال الشهر السابق.
وعلى أساس شهري، سجل التضخم العام للحضر زيادة قدرها 0.1% في أغسطس بعد استقراره عند صفر خلال يوليو، وهو ما يعني أن المستوى العام لأسعار المدن لم ينخفض ككل خلال الشهر رغم تراجع معدل التضخم السنوي.
ما السلع التي انخفضت أسعارها؟
تكشف بيانات البنك المركزي عن اختلاف واضح بين مجموعات الأسعار خلال أغسطس.
فأسعار الخضروات والفاكهة تراجعت بنحو 5.5% على أساس شهري، وهو أحد العوامل التي ساعدت على تهدئة المؤشر العام، بينما ارتفعت السلع والخدمات المحددة أسعارها إداريًا بنسبة 1% خلال الشهر نفسه.
ويعني ذلك أن تجربة كل أسرة مع الأسعار قد تختلف بحسب السلع والخدمات التي تستحوذ على الجزء الأكبر من إنفاقها، فلا يؤدي انخفاض مجموعة واحدة بالضرورة إلى شعور جميع المواطنين بانخفاض مماثل في تكلفة المعيشة.
كما سجل التضخم الأساسي، الذي يستبعد بعض العناصر شديدة التقلب، ارتفاعًا سنويًا إلى 14.9% خلال أغسطس مقابل 14.7% في يوليو، وهو ما يعكس استمرار ضغوط سعرية داخل أجزاء من الاقتصاد رغم تراجع المؤشر العام.
النمو الاقتصادي يصل إلى 5.1%
لم تقتصر تصريحات الحكومة على ملف الأسعار، إذ سجل الاقتصاد المصري معدل نمو بلغ 5.1% خلال العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 4.4% خلال العام السابق.
وتؤكد بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية أن النمو جاء مدفوعًا بعدة قطاعات إنتاجية وخدمية، فيما استحوذت الصناعة والاتصالات والتجارة مجتمعة على نحو 48% من النمو المحقق.
ويمثل ارتفاع معدل النمو مؤشرًا على توسع النشاط الاقتصادي، لكنه لا يعني بصورة تلقائية انخفاض أسعار السلع؛ إذ يتوقف انتقال أثر النمو إلى مستويات المعيشة على عوامل أخرى من بينها التضخم والإنتاج والدخول وتكاليف التمويل والطاقة والنقل.
البطالة تتراجع إلى 5.8%
سجل معدل البطالة 5.8% خلال الربع الثاني من 2026، مقابل 6% في الربع الأول، وفق البيانات الحكومية المستندة إلى بحث القوى العاملة.
كما بلغ عدد المشتغلين نحو 33.6 مليون شخص، بينما تجاوز حجم قوة العمل 35.6 مليون فرد.
لكن بيانات سوق العمل تكشف أيضًا عن تفاوت واضح بين الرجال والنساء؛ إذ سجلت بطالة الإناث 14.4% مقابل 3.4% للذكور خلال الربع الثاني، وهو ما دفع وزارة التخطيط إلى التأكيد على أن التحدي لا يقتصر على عدد الوظائف، وإنما يشمل جودة فرص العمل ومشاركة النساء والإنتاجية.
الاحتياطي يتجاوز 57.2 مليار دولار
وفي ملف النقد الأجنبي، تؤكد البيانات الرسمية للبنك المركزي أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ 57.2145 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026 بصفة مبدئية.
وكان الاحتياطي قد سجل 56.2939 مليار دولار في نهاية يوليو، ما يعني زيادة تقارب 920.6 مليون دولار خلال شهر واحد.
ويمثل ارتفاع الاحتياطي مؤشرًا يتعلق بقدرة الدولة على إدارة التزاماتها الخارجية وتغطية الاحتياجات من النقد الأجنبي، لكنه يظل مؤشرًا اقتصاديًا مختلفًا عن أسعار السلع اليومية التي يواجهها المستهلك داخل الأسواق.
الدين العام عند 81.8%
وقال رئيس الوزراء إن نسبة الدين العام انخفضت من نحو 96% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عامين إلى 81.8% بنهاية العام المالي 2025/2026، بينما تستهدف موازنة العام المالي الجاري الوصول إلى نحو 78%.
وفي الدين الخارجي، حدد مدبولي الرقم الخاص بأجهزة الموازنة عند 76.1 مليار دولار في 30 يونيو 2026، مقابل 79.1 مليار دولار قبل عامين، أي بانخفاض 3 مليارات دولار.
ومن المهم هنا تصحيح أحد الأرقام المتداولة في بعض التغطيات؛ فالرقم المعلن لدين أجهزة الموازنة الخارجي هو 76.1 مليار دولار، وليس 76.1%، وفق تفاصيل كلمة رئيس الوزراء المنشورة عن الاجتماع.
زيادة مخصصات الصحة والتعليم
ربط رئيس الوزراء مسار خفض الدين بإتاحة مساحة أكبر للإنفاق على الخدمات، مشيرًا إلى زيادة مخصصات الصحة بنحو 30% والتعليم بنحو 20%.
وهذه النسب ليست إعلانًا ظهر للمرة الأولى في اجتماع سبتمبر؛ إذ كانت تفاصيل الموازنة العامة للعام المالي 2026/2027 قد تضمنت بالفعل زيادة الإنفاق الموجه لقطاعات ذات أولوية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
متى يشعر المواطن فعلًا بتراجع الأسعار؟
الفارق الأساسي هنا بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار فعليًا.
عندما ينخفض التضخم من مستوى مرتفع إلى مستوى أقل، قد تستمر الأسعار في الزيادة لكن بسرعة أبطأ. أما انخفاض السعر الفعلي فيظهر عندما يصبح سعر السلعة أو الخدمة أقل مقارنة بالفترة السابقة.
وتشير أحدث الأرقام إلى أن الصورة الحالية مختلطة: بعض المجموعات شهدت تراجعًا شهريًا، وفي مقدمتها الخضروات والفاكهة، بينما استمرت مجموعات أخرى في الارتفاع، كما ظل التضخم الأساسي عند مستوى 14.9%.
لذلك فإن التطور الذي يستحق المتابعة خلال الشهور المقبلة ليس معدل التضخم وحده، وإنما استمرار الانخفاض عبر عدة أشهر واتساعه ليشمل عددًا أكبر من السلع والخدمات، مع مقارنة حركة الأسعار الفعلية بدخول الأسر.
وتضع البيانات الحالية تصريحات الحكومة في إطار أكثر تحديدًا: هناك تراجع موثق في بعض الأسعار وتباطؤ في معدل التضخم العام، لكن البيانات لا تشير إلى انخفاض شامل لجميع أسعار السلع والخدمات حتى الآن.









